Home Up الكتب المنشورة مواقع هامة في المجال السيرة الذاتية منتدى الأعصاب والطب النفسي مواقع عربية ونفسية الأبحاث العلمية

  ف5- الشخصية

الفصل الخامس – العوامل البيولوجية للشخصية

مقدمة:-

  قبل أن نتناول العوامل البيولوجية التي تؤثر في تكوين شخصية الفرد، ينبغي علينا أولاً أن نتعرف على ما تعنيه كلمة شخصية. وعلى الرغم من أن تعريف الشخصية لا يُعد أحد الموضوعات الرئيسية التي تنتمي لطبيعة الدراسة في هذا الكتاب، إلا أن هذا التعريف يُعد مدخلاً لدراسة هذا الفصل. ومن ثم فإننا لن نطيل في عرض التعريفات المختلفة للشخصية، لأنه لا يكاد يوجد تعريف جامع ومانع للشخصية، بل إن الاختلافات في التعريفات تكاد تكون أكثر من مواضع الاتفاق.

 

  وتأتي كلمة الشخصية اشتقاقا من كلمة " الشُخوص " أي الظهور أمام الآخرين. ولا يختلف هذا المعنى في اللغات الأوربية. فكلمة الشخصية Personality مشتقة من الكلمة اللاتينية Persona أي القناع الذي كان يرتديه الممثلون اليونانيون لأداء أدوارهم في المسرح، حتى يكسبهم هذا القناع صفة من يقومون بدوره طوال فترة وضعهم القناع. ولذلك فإن كلمة شخصية تدل في اللغات الأوربية على الأدوار التي يؤديها الفرد أمام ناظريه.

 

  ودون الدخول في طبيعة الاتجاهات النظرية التي تتناول الشخصية، وتقوم بدراستها، فإننا يمكن أن نعرّفها على أنها ذلك التنظيم المتكامل من الصفات الجسمية والوجدانية والعقلية والاجتماعية، التي تبدو في حالة تفاعل مع بعضها البعض. وكما تبدو في بيئة اجتماعية معينة، من خلال التفاعلات الاجتماعية المختلفة التي يُبديها الفرد، وتميزه عن غيره من الأفراد. ويعني هذا أن الشخصية تشمل دوافع الفرد، وعواطفه، وميوله، واهتماماته، وسماته الخلقية، وآراءه ومعتقداته. كما تشمل عاداته الاجتماعية، وذكاءه، ومواهبه الخاصة، وقيمه واتجاهاته. وكل هذه الجوانب إنما توجد في كلٍ متكاملٍ يتسم بالاتساق والانتظام. وبهذا المعنى تكون الشخصية كلاً لا يتكون من مجموع عناصر، بل كلاً يعطي لمجموع عناصره معناها وانتظامها ووظيفتها.

   

- العوامل المؤثرة في تكوين الشخصية:-

  أما عن العوامل التي تؤثر في الشخصية، فقد سبق وأوضحنا أن حياة الفرد إنما تبدأ بمجرد التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، ثم حدوث الإخصاب. ومع ذلك فإن العوامل التي تؤثر في تكوين الفرد لا تقف عند بداية عملية الإخصاب، وإنما تمتد إلى عوامل أخرى ضاربة في عمق السلالة التي ينتمي إليها كل من الأب والأم. بالإضافة إلى كل ما يعتري البويضة الملقحة من تغيرات أثناء عمليات الانقسام التي تمر بها، وما تتعرض له من مؤثرات في البيئة الرحمية. بل إن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، وإنما يمكن للعديد من العوامل الأخرى -أثناء الولادة أو بعدها- أن تؤثر في تكوين الفرد، ومن ثم في شخصيته.

 

  وقد أهتم علم الأعصاب البيولوجي Neurobiology بالعديد من العوامل البيولوجية التي تؤثر في عملية نمو ونضج الفرد بما يترك آثاره على الشخصية بكاملها فيما بعد. ولذلك فإن فهمنا للطبيعة الإنسانية - متمثلاً في فهمنا للشخصية - لا يمكن أن يتحقق على نحو سليم دون أن نتعرف على طبيعة أثر تلك العوامل البيولوجية في تكوين الشخصية.

 

  ويمكن أن نتناول العوامل البيولوجية التي تحدد الشخصية من خلال بعدين أساسيين هما:-

          1- العوامل الوراثية (أثر الوراثة).

          2- العوامل الفسيولوجية، والتي تنقسم إلى عوامل خاصة بالأم، وعوامل خاصة بالطفل.

 أولاً- العوامل الوراثية

    تحدثنا من قبل عن أن صفاتنا الوراثية تنتقل إلينا من آبائنا عن طريق خلايا متناهية الصغر، تربط بين أجسامنا وأجسام أجدادنا وأسلافنا. وأن كل فرد يستمد نشأته ووجوده من إتحاد هذه الخلايا الصغيرة (الحيوان المنوي والبويضة). ونحن نرث هذه الصفات من الوالدين بالتساوي، أي أن لكل من الأب والأم نفس الأهمية في نقل الصفات الوراثية.

 

  وتلعب العوامل الوراثية دورها فيما نحمله من صفات عن طريق الجينات التي تعد الشفرة الجزيئية التي تتحكم في تخليق البروتينات، التي تعطي الخلية خصائصها المختلفة. والجينات على هذا النحو هي التي تحدد تطور الجنين، وفق طريقة ونظام محددين سلفاً. ومن الخطأ أن نتصور أن الجينات تتحكم في نمو وتطور الفرد حتي الولادة فقط، بل إن أثرها يمتد طوال حياة الإنسان من الطفولة المبكرة، وحتى الشيخوخة. فهناك خصائص جسمية -بل وسلوكية أيضاً- محددة أيضاً، ولا تظهر إلا في فترات بعينها من حياة الفرد. ففى المراهقة مثلاً، تظهر مجموعة من الخصائص الجسمية والسلوكية لم تكن موجودة من قبل. كذلك تظهر في الشيخوخة خصائص أخرى تميز هذه المرحلة من العمر. ولا يتوقف الأمر عند حدود الصفات الوراثية السوية، بل إن بعض الأمراض لا يظهر إلا في مراحل عمرية معينة، على الرغم من أن الفرد يحمل مسبقاً الجينات المسئولة عن هذه الصفات. فمرض رقاص هانتنجتون مثلاً يظهر في بداية العقد الرابع من العمر، ومع ذلك فإن الجينات المسئولة عنه يحملها الفرد منذ ولادته.

 

  وفيما يتعلق بالصفات السوية فكلنا يعرف أن توارث صفات جسمية معينة، كلون العين، ولون البشرة، ولون الشعر، وغيرها من الصفات إنما يعتمد على ما نحمله من جينات مسئولة عن هذه الصفات. بل إن الأمر لا يقف عند حدود الصفات الجسمية فقط، وإنما الصفات النفسية والعقلية والوجدانية أيضاً. أما على المستوى الأدق ونقصد به مستوى الخلية، فإن طبيعة النظام الذي تعمل من خلاله الخلايا، إنما يتحدد أيضاً وفقاً للجينات، فعمل الخلية محدد وراثياً. وقد ذكرنا من قبل أن مجموع عمل الخلايا على مستوى جميع أجهزة الجسم، هو الذي يعطينا في النهاية مجموع نشاط الكائن الحي، سواء كان هذا النشاط كيميائياً، أو حركياً، أو نفسياً، أو عصبياً .... إلخ.

 

  ومن الناحية المرضية فإن هناك العديد من الأمراض التي يمكن أن تُصيب الفرد، وتؤثر على الشخصية بأكملها. وهذه الأمراض قد لا تكون موروثة من الآباء أو الأجداد، وإنما حدثت نتيجة أخطاء في عمليات انقسام الخلية. ومن أمثلة ذلك زُملات الأعراض المختلفة التي ناقشناها في أسباب الخلل الوراثي. ومن أمثلتها متلازمة داون، ومتلازمة تيرنر، ومتلازمة كلاينفيلتر. وتبين لنا كيف يمكن لهذه الإضطرابات أن تؤثر على النواحي الجسمية والعقلية للفرد ذكراً كان أو أنثى.

 

  أما عن الأمراض التي يمكن أن تنتقل لنا من خلال الآباء والأجداد فهي كثيرة، بعضها كما ذكرنا من قبل سائد (القزامة)، وبعضها متنحٍ ( البول الفينايل كيتوني)، والبعض الثالث مرتبط بالجنس (عمى الألوان، كروموسوم إكس الهش). وكل هذه الأمراض يمكن أن نعتبرها دليلاً واضحاً على تأثير الوراثة على الشخصية.

 

ثانياً- العوامل الفسيولوجية

  نود في البداية أن نحدد ما نعنيه بالعوامل الفسيولوجية. إنها تعنى تلك العوامل المرتبطة بطبيعة الوظائف الجسمية، وبخاصة المتعلقة بالجهاز العصبي، اعتباره الجهاز المهيمن على أجهزة الجسم المختلفة، والذي يشرف على جميع الوظائف العضوية، ويؤلف بينها بما يحقق وحدة وتكامل الفرد.

 

  وتنقسم العوامل الفسيولوجية إلى عوامل متعلقة بالأم، وأخرى خاصة بالفرد نفسه. وتشمل الأخيرة البنية الجسمية، ووظائف الغدد الصماء. وفيما يلي تناول هذه العوامل:-

 

1- العوامل الفسيولوجية الخاصة بالأم:-

  يمكن أن نُطلق على هذه العوامل مجموع العوامل البيئية الداخلية التي تؤثر على الجنين أثناء تكوينه، ونموه وتطوره داخل الرحم، ابتداء من لحظة الإخصاب، ولفترة تسعة أشهر (42 أسبوعاً) وتنتهي بالبوادر الأولى للولادة، وخروج الطفل إلى الحياة.

 

  وتختلف عوامل البيئة الداخلية لرحم الأم عن العوامل الوراثية التي تتحكم فيها قوانين الوراثة المختلفة. ومع ذلك فهي تُعد من المحددات البيولوجية التي تؤثر في الجنين باعتبارها محيطاً بيولوجياً ينمو فيه. ويمكن أن نقسم هذه العوامل إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل الولادة، ومرحلة الولادة.

 

أ- مرحلة ما قبل الولادة:-

  يؤثر في الجنين مجموعة من العوامل التي تبدأ في مرحلة ما قبل الولادة Prenatal period. أي التي تبدأ بالإخصاب، مروراً بكل المؤثرات التي تؤثر في صحة الأم طوال فترة الحمل، وحتى لحظة الولادة. وتشمل هذه العوامل ما يلي:-

          1- عمر الأم.                                 2- تغذية الأم.

          3- الأمراض التي تصيب الأم.            4- فصيلة دم الأم وتوافقها.

          5- الحالة النفسية والانفعالية للأم.

1- عمر الأم:-

  يعد عمر الأم أثناء فترة الحمل من العوامل المؤثرة في تكوين الجنين. فالعمر الأمثل للحمل والولادة يقع بين 20-35 عاماً. وقد أوضحت الدراسات أن وفيات الأطفال، وحالات الإجهاض، ومضاعفات الحمل والولادة، والتشوهات الخلقية في الأجنة تزداد بشكل واضح إذا كان عمر الأم دون العشرين، أو تعدى الخامسة والثلاثين. ويرجع السبب في ذلك إلى عدم تكامل نضج الجهاز التناسلي لدى الأمهات الصغيرات، أو الضغوط النفسية والاجتماعية الواقعة على الأم الصغيرة، وما تحمله من مسئوليات الحياة الجنسية، ورعاية الأطفال. أما بالنسبة لمن تجاوزن الخامسة والثلاثين فقد تكون هذه التأثيرات على الجنين راجعة إلى التغيرات الهرمونية والبيولوجية التي تصيب الأمهات في هذا السن، والتي تؤثر على كفاءة الجهاز التناسلي.

  ويعد مرض داون (الطفل المنغولي) أحد الأمثلة الشهيرة على تأثير عمر الأم في الإصابة بالتشوهات الجنينية. وهو مرض لا علاقة له بعمر الأب، ويرجع إلى ما يصيب الكروموسومات من عيوب أثناء الانقسام. وقد وُجد أن الإصابة بهذا المرض في الأمهات المتقدمات في السن، تزيد إحتماليتها 40 ضعفاً مقارنة بنسبه حدوثه لدى الأمهات الشابات، بل إنه نادر الحدوث بينهن.

 

2- تغذية الأم:-

  إن ما تتناوله الأم من مواد غذائية أثناء فترة الحمل يمكن أن يؤدي إلى العديد من المشكلات الخاصة بنمو الجنين وتكوينه وتطوره. وتعد أمراض سوء التغذية أكثر هذه المشكلات تأثيراً. فالجنين يحتاج إلى كل العناصر الغذائية وخاصة البروتين الذي يحتاجه في بناء خلايا جهازه العصبي. ونقص هذه العناصر في غذاء الأم يحرمه منها، مما يعرضه للولادة المبكرة، فيكون طفلاً مبتسراً Premature، أو الولادة بوزن ضئيل Law birth weight فيتعرض لصعوبات في التنفس والتغذية، وثبات درجة حرارة جسمه. وهي مشاكل تعرضه للإصابة بالأمراض، ونقص النمو بشكل جيد في سنواته اللاحقة.

  وبالإضافة إلى ما تتناوله الأم من غذاء، فإن تأثير ما تتناوله أيضاً من عقاقير، وخاصة في أشهر الحمل الأولى،  يمكن أن يترك أثره على الجنين. وبعض الأدوية يؤثر على الدورة الدموية للجنين، بما يقلل من وصول الأكسجين إلى أجزاء جسمه، وخاصة المخ. كما أنها قد تتسبب في حدوث التشوهات الخلقية.

 

3- الأمراض التي تصيب الأم:-

  إن الحالة الصحية البدنية للأم أثناء الحمل ذات تأثير مباشر على نمو الجنين. وتؤدي الأمراض التي تتعرض لها الأم أثناء الحمل إلى مشاكل جمة يعاني منها الطفل بعد ولادته. وبعضها يؤثر على نموه وتكوينه، وبعضها الآخر يؤدي إلى تشوهات لا يشفى منها. وقد ذكرنا من قبل ما يمكن أن تؤدي إليه أمراض الحصبة الألماني، والزُهري، والسكر، والغدة النكفية وغيرها.

 

4- فصيلة دم الأم وتوافقها:-

  ذكرنا تحت الوراثة متعددة البدائل كيف يمكن أن يؤثر عدم توافق فصائل الدم بين الأبوين على حياة الطفل، وخاصة ما يتعلق بعامل ريسيس. وأهم ما يمكن أن يؤدي إليه عدم توافق فصائل الدم مرض اليرقان (الصفراء) الذي ينتج عنه دمار خلايا الجهاز العصبي للطفل، وظهور علامات الشلل  المخي التشنجي cerebral palsy، أو التخلف العقلي، أو ضعف العضلات، أو فقدان السيطرة على الحركات اللاإرادية، وغيرها. وهي أعراض تؤثر تأثيراً بالغاً على حياة الطفل، وشخصيته بجميع أبعادها.

 

5- الحالة النفسية والانفعالية للأم:-

  على الرغم من انفصال الجهاز العصبي لكل من الأم والجنين، إلا أن التغير الذي يمكن أن يطرأ على الجهاز العصبي للأم، يؤثر في نمو الجنين الجنين، وتكوينه الجسمي، بل وعلى تكوينه النفسي  والحسي أيضاً، وطبيعة استجاباته وانفعالاته في المستقبل. فتعرض الأم للتوترات والانفعالات الشديدة يرتبط بمجموعة من التغيرات الهرمونية والكيميائية في جهازها العصبي، وتنتقل أثار هذه التغيرات إلى الجنين. فمن المعروف أن حالات القلق الشديدة والخوف، يصاحبهما إفراز هرمون الأدرينالين الذي يؤثر في وظائف الجسم كله. وهذا الهرمون تفرزه الغدة الكظرية عند الأم، وينتقل بدوره إلى الجنين محدثاً فيه العديد من التغيرات على مستوى خلايا جسمه، ومن ثم على جميع وظائفه.

 

ب- مرحلة الولادة:-

  يمضي الجنين داخل رحم أمه تسعة أشهر، يتكامل فيها نموه الجسمي. وإذا لم يتعرض طوال هذه الفترة إلى بعض العوامل -التي ذكرناها آنفاً- التي يمكن أن تؤذيه، فإنه يكون في نهاية الشهر التاسع مستعداً لرحلة الولادة دون أن تؤثر عليه مرحلة الحمل بأي تأثيرات. وعلى الرغم من قصر المسافة -20 سنتيمتراً- التي يقطعها الجنين في الخروج من رحم الأم إلى العالم الخارجي، إلا أنه قد يتعرض خلالها لأخطار شديدة تترك آثارها عليه وعلى شخصيته، طوال حياته المقبلة.

 

  ويمكن أن نوجز المخاطر التي يتعرض لها الجنين في مرحلة الولادة فيما يلي:-

          1- الولادة المبكرة.

          2- إصابة الرأس أثناء الولادة.

          3- قلة أو انعدام الأكسجين.

1- الولادة المبكرة:-

  يعد بقاء الجنين داخل الرحم مدة الحمل كاملة مؤشراً على تناغم وتواصل عملية النمو والتكوين. وولادة الطفل قبل بلوغ الشهر التاسع يعتبر ولادة مبكرة، ويسمى الطفل في هذه الحالة بالطفل المبتسر. ويحتاج الطفل أن يوضع في حضانات incubators توفر له ظروفاً مشابهة لظروف النمو والحياة داخل الرحم لاستكمال نموه. وعادة ما يكون الطفل المبتسر قليل الوزن، وضعيفاً من الناحية الجسمية. بل وقد يستمر الأمر هكذا حتى سن الخامسة أو السادسة. ويعاني هؤلاء الأطفال من زيادة فرصة التعرض للإصابات الميكروبية، بالإضافة إلى ضعف محتمل في القدرات العقلية، ربما يظهر في صورة صعوبات التعلم في المدرسة، أو صعوبات في فهم العمليات الحسابية، أو مهارات القراءة والكتابة بوجه عام.

 

2- إصابة الرأس أثناء الولادة:-

  تتعرض الأم في بعض الحالات لصعوبات في عملية الولادة، تجعل من ولادتها ولادة متعسرة Obstructed labor. وقد يرجع ذلك لأسباب من قبل الأم كوجود ضيق في عظام الحوض، أو وجود أورام بالرحم، أو ضيق في عنق الرحم. كما قد تكون الأسباب من قبل الجنين ككبر حجمه، أو وضعه الخاطيء في الرحم، أو وجود تشوهات خلقية في الجنين كحالات كبر حجم الرأس والمعروفة بالاستسقاء Hydrocephalus . وهذه الولادة المتعسرة تعرض الوليد -أكثر من الأم- لأخطار جسيمة. فقد يحدث نزيف دموي داخل الجمجمة، أو بين أغشية المخ بسبب انفجار بعض الأوعية الدموية الدقيقة، وذلك تحت تأثير الضغط الشديد الواقع على رأس الجنين، لعدم قدرته المرور بيسر من قناة الولادة. وقد يتم استخدام أدوات جراحية لاستكمال عملية الولادة كاستخدام الملقط Forceps، أو عمليات الولادة بالشفط Ventouse، على نحو غير سليم، فتؤدي إلى حدوث مضاعفات للجنين من تمزق ونزف الأغشية الدماغية. وقد يولد الجنين ولا توجد به أي علامات للإصابات الداخلية، ولكن تظهر مضاعفات هذه الإصابات فيما بعد على هيئة حالات تشنج، أو ضعف النمو البدني، والنمو العقلي. وهي حالات قد يعاني منها الطفل طوال حياته.

 

3- قلة أو إنعدام الأكسجين:-

  بعد الولادة مباشرة يصرخ الوليد عادة، فيندفع الهواء إلى الرئتين مباشرة، معلناً بدء عملية التنفس الطبيعية للطفل. وتكون من نتيجتها أتساع الرئتين وتسرب الأكسجين إلى الدم، لتبدأ أول عملية تبادل للغازات عبر الدورة الدموية للطفل، بعد أن كان يعتمد في ذلك على أمه. وقد تتعطل هذه العملية، أو تحدث بصعوبة لسبب أو لآخر. ويؤدي هذا إلى نقص كمية الأكسجين المطلوبة لأنسجة الجسم. وقد تظهر علامات هذا النقص في بعض الأحيان على هيئة زرقة لون الجلد Cyanosis. ونتيجة هذا النقص تتأثر خلايا الجسم، وخاصة خلايا الجهاز العصبي التي تعتمد في وظائفها على الأكسجين والجلوكوز، وتعد حساسة بشكل كبير لنقص كل منهما. وإذا انعدم الأكسجين لفترة لا تتجاوز ثلاث دقائق فإن بعض الخلايا تموت، ويصعب تعويضها لأن ما يتلف من خلال الجهاز العصبي لا يتم تعويضه. ويسبب ذلك في المرحلة اللاحقة من حياة الطفل تخلفاً في النمو البدني، وشلل بالأطراف، وتأخر قي الكلام، وتخلف القدرات العقلية بوجه عام. كما قد يصاب الطفل بنوبات الصرع التي تزيد الأمر سوءً. ومعظم هذه الحالات تكون دائمة ويستحيل علاجها أو شفائها، ومن ثم تترك أثرها على الشخصية مدى الحياة.

 

2- العوامل الفسيولوجية الخاصة بالطفل:-

  تتضمن العوامل الفسيولوجية الخاصة بالطفل، والتي تؤثر في تحديد شخصيته عاملين أساسيين: الأول هو أثر الغدد لصماء على السلوك والشخصية، والثاني أثر البنية والتركيب الجسمي. وفيما يلي تناول هذين العاملين:-

 

أولا- أثر الغدد الصماء على الشخصية:-

  تناولنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب أنواع الغدد الصماء، ووظائفها المختلفة، وتأثيراتها على الأنشطة الحيوية للفرد بشكل عام. وبيّنا كيف تعمل هذه الغدد على تنظيم الاتزان البيولوجي للكائن الحي، وتعمل في تناسق كامل مع الجهاز العصبي. وفي هذا الجزء نتناول أثر الإضطرابات المختلفة لهذه الغدد على تكوين الشخصية من كافة نواحيها (جسمياً ونفسياً وعقلياً). وسيتم ذلك بعرض تأثيرات كل من نقص أو زيادة نشاط الغدة.

 

1- اضطراب الغدة النخامية:-

   هناك العديد من أوجه الاضطراب التي تنشأ من نقص أو زيادة نشاط الغدة النخامية، نظراً لإفرازاتها المتعددة. ونوجزها فيما يلي:-

 1. في حالة نقص نشاط الغدة النخامية بشكل عام Pan hypopituitrism والذي يرجع إلى ضمور الغدة، أو تحللها نتيجة نزيف أثناء الولادة، تظهر مجموعة من الأعراض التي تشمل :  الضعف العام، وسرعة التعب، واضطراب الوظيفة الجنسية.

 2. في حالة نقص هرمون النمو تنتج حالات القزامة Infantilism حيث لا يزيد طول الفرد عن متر وربع تقريباً.

 3.  نقص الهرمونات المنشطة للغدد التناسلية يؤدي إلى متلازمة أعراض فروليخ Frohlich’s syndrome حيث يتسم الطفل بالبدانة المفرطة، وعدم نمو الجهاز التناسلي، والميل للنعاس، وقلة النشاط.

 4. تؤدي زيادة إفراز هرمون النمو قبل المراهقة -قبل تحول الغضاريف إلى عظام- إلى مرض العملقة Gigantism التي يصل فيها طول الفرد إلى أكثر من مترين ونصف. بينما تؤدي الزيادة بعد البلوغ إلى تضخم الأطراف Acromegaly حيث يزداد حجم اليدين والقدمين، والفك السفلي، والأذنين والأنف.

 5. تؤدي زيادة إفراز هرمون البرولاكتين (المدر للبن) إلى تغيرات في الخصوبة لدى الإناث، كما ترتبط هذه الزيادة ببعض الإضطرابات العقلية.

 

2- إضطراب الغدة الدرقية:-

  تشمل إضطرابات الغدة الدرقية إلى ما يلي:-

 1. يؤدي نقص نشاط الغدة إلى نقص هرمون الثيروكسين الذي يعد ذا دور واضح في مستوى الذكاء. ويظهر النقص عند الأطفال على هيئة مرض القصاع Cretinism الذي يتميز ببطء النمو البدني والعقلي، وإذا لم يتم علاجه في وقت مبكر قد يصل إلى حد العته Dementia. أما في الكبار فيكون مرض  (الوذمة المخاطية) أو المكسيديما Myxaedema الذي يتميز بمظاهر جسمية معينة، مع الميل للنعاس والكسل، والتبلد في المشاعر تجاه الأحداث، مع احتمالية الإصابة بالإكتئاب.

 2. تؤدي زيادة إفراز الغدة إلى المرض المعروف باسم مرض جريف Geave’s disease الذي يتميز بارتفاع ضغط الدم، وزيادة سرعة النبض، والأرق، والتوتر وسرعة الاستثارة العصبية، رعشة بالأطراف، جحوظ العينين، عدم الاستقرار الحركي.

 

3- اضطراب الغدة الكظرية:-

  تشمل اضطرابات الغدة الكظرية ما يلي:-

 1. تؤدي زيادة هرمون الأدرينالين إلى زيادة سرعة دقات القلب، وارتفاع ضغط الدم، والقلق الشديد، وزيادة السكر بالدم.

 2. تؤدي زيادة الهرمونات الجنسية التي تفرزها قشرة الغدة الكظرية -وهي هرمونات شبيهة بتلك التي تفرزها الغدد التناسلية وتسمى بالأندروجينات Androgens- إلى النمو الجنسي المبكر لدى الأطفال، وظهور الصفات الجنسية الثانوية مبكراً. أما في الكبار فتغلب صفات الرجولة لدى الأنثى، ويغلظ صوتها، وينبت لها شعر اللحية، ويتساقط شعر الرأس.

 

4- اضطراب البنكرياس:-

  تشمل تأثيرات اضطراب البنكرياس على الشخصية ما يلي:-

 1.  يؤدي نقص هرمون الإنسولين إلى الإصابة بمرض البول السكري الذي يتميز بزيادة نسبة السكر فى الدم، ويكاد تؤثر هذه الزيادة على كل أجهزة الجسم وخاصة الأعصاب الطرفية، والعصب البصري، والأوعية الدموية. وقد يؤدي إلى نوبات من الخلط العقلي وتشوش الوعي.

 2. تؤدي زيادة الإنسولين -كما يحدث في بعض أورام البنكرياس- إلى النقص الشديد في مستوى السكر بالدم، مما يؤدي إلى العديد من الأعراض التي تشمل الإحساس بالتعب، وزيادة إفراز العرق، وصعوبة أداء الحركات الدقيقة، سرعة الاستثارة والتهيج العصبي، تشوش الوعي الذي قد يصل إلى حد الغيبوبة.

 

5- اضطراب الغدد الجنسية:-

  تشمل أعراض اضطراب الغدد الجنسية ما يلي:-

 1. في حالة نقص الإفراز تتأخر علامات الخصائص الجنسية الثانوية، ويضطرب عمل الجهاز التناسلي.

 2.  عند توقف عمل هذه الغدد في الإناث بعد سن الأربعين تقريباً -سن اليأس- تظهر مجموعة من الأعراض المرتبطة بهذه المرحلة، مع بعض الإضطرابات الانفعالية.

 3. في حالة زيادة النشاط المبكر تظهر علامات البلوغ قبل موعدها -البلوغ المبكر Precocious puberty- وتتكون الشخصية من الناحية الجنسية قبل أن تكون قد بلغت المرحلة العمرية المناسبة.

 

  وتأثير الهرمونات على الشخصية والسلوك مسألة غاية في التعقيد. فالأمر لا يتوقف على هرمون بعينه، نظراً لوجود تداخل بين عمل هذه الهرمونات وتأثيراتها على الجسم. فكما نعرف أن الغدة النخامية تسيطر على عمل الغدد الأخرى، ومن ثم فإن أي نقص أو زيادة في عملها يؤدي إلى اضطراب عمل الغدد الأخرى. كما أن آثار هذه الهرمونات عادة ما تبدأ في فترة الحمل، وقد تترك تأثيراتها على الشخصية بأكملها فيما بعد الولادة.

 

ثانياً- أثر التركيب والبناء الجسمي:-

 حاول الكثير من العلماء إيجاد علاقة بين النواحي الفسيولوجية للفرد وطبيعة شخصيته، معتمدين في ذلك على الأساس الوراثي له. وتلى ذلك محاولة إيجاد علاقة بين طبيعة البنيان الجسمي، وتكوين الشخصية فيما عرف بعلم النفس الجبلّي أو التكويني Costituational psychology. وهو العلم الذي يهتم بدراسة وتفسير النواحي النفسية للسلوك الإنساني على أساس الصفات المورفولوجية (الشكلية) والفسيولوجية للجسم، والتي يولد بها الفرد. وهي صفات تتسم إلى حد كبير بالثبات واللاتغير. ويصبح عالم النفس الجبلّي هو الذي يبحث في الأساس البيولوجي للفرد، عن تلك العوامل التي تلعب دوراً في تفسير السلوك الإنساني. وسوف نتناول في هذا الصدد نظريات كل من هيبوقراط، وكريتشمر، وشيلدون.

 

1- نظرية هيبوقراط:-

  على الرغم من بعد المسافة التاريخية بيننا وبين ما وضعه هيبوقراط Hippocrates في القرن الرابع قبل الميلاد، إلا أنه يعد أول من تبّنى مفهوم العلاقة بين التركيب الجسمي الحالة المزاجية للفرد. وقد تركت نظريته العديد من الآثار على ما حاول علماء النفس إيجاده بعده بقرون عديدة.

 

    وقد وضع هيبوقراط أولى التصنيفات الطوبولوجية Typologies للأنماط الجسمية Types (وتعني تجمع مجموعة من السمات معاً). كما أشار إلى وجود أربعة أمزجة Temperaments يعتمد كل منها على مقدار ونسبة سوائل الجسم الأربعة التي أعلنها جالينوس قبله، وهي الفكرة التي كانت سائدة في هذا الوقت من أن الجسم يتكون من أربعة سوائل هي: الدم، والبلغم Phlegm، والصفراء Yellow bile، والسوداء Black bile. وهذه العناصر الأربعة تناظر فكرة إمبذقليس Empedocles  (595-395 ق.م) عن عناصر الكون الأربعة وهي: التراب، والنار، والماء، والهواء. ويعد ما وضعه هيبوقراط في هذا المجال يتفق مع أهمية إفرازات الغدد الصماء في العصر الحديث.

 

  وقد أعتقد هيبوقراط أن سوائل الجسم الأربعة هي التي تحدد خصائص شخصية الفرد، وذلك وفقاً لمدى تغلب بعضها على الآخر، أو تغلب أحدها على بقية السوائل. ووفقاً لذك وضع هيبوقراط أربعة أنماط أو أمزجة هي:-

 1. المزاج الدموي: Sanguine وهو المزاج الذي يتسم بالود، والأمل في الحياة، والنشاط، والسرعة.

 2. المزاج البلغمي: Phlegmatic ويتميز بالبلادة والتراخي والكسل.

 3. المزاج الصفراوي: Choleric ويتميز بالغضب والعناد.

 4. المزاج السوداوي: Melancholic ويتميز بالتشاؤم في الحياة، والإكتئاب، والانطواء، والنزعة للخيال.

 

  وكل مزاج من هذه الأمزجة لا يظهر إلا إذا تغلب على الأمزجة الأخرى. وأشار هيبوقراط إلى أن الشخصية السوية هي التي تتوازن فيها هذه الأمزجة الأربعة، بحيث لا يسود أحدها على الباقي.

 

2- نظرية كريتشمر:-

   سار العديد من العلماء على ما وضعه هيبوقراط قبل ذلك بقرون عديدة. وتمثلت البداية على يد العالم الفرنسي روستان Rhostain عام 1824 والذي وضع أربعة أنماط هي النمط الهضمي، والنمط العضلي، والنمط المخي، والنمط التنفسي. وكانت هذه بداية لمعظم التصورات الحديثة في هذا المجال.

   أما إرنست كريتشمر E. Kretschemer فقدت بدأت على يديه عام 1921معالم علم النفس الجبلي الحديث، وذلك من خلال إهتمامه بوجود علاقة بين البنيان الجسمي الظاهري للفرد والاضطراب العقلي. وكان كريتشمر طبيباً للأمراض العقلية في ألمانيا، وقام بدراسة العديد من الحالات التي توصل من خلالها لنظريته هذه.

 

  وقد قام كريتشمر وفقاً لاعتقاده بتقسيم الأفراد إلى  أربعة أنماط تتفق وأربعة تركيبات يتميز بها بناؤهم الجسمي. وهذه الأنماط هي:-

 1. النمط النحيف أو الواهن: Athenic ويتميز أفراده بالجسم الطويل النحيف. ولا يقتصر الأمر على نحافة الجسم، بل يمتد ليشمل نحافة كافة الأنسجة (الجلد، العضلات، العظام، إلخ.). والفرد الذي يتصف بهذه الصفات نراه طويلاً، تتدلى منه ذراعان نحيفان في تركيبهما من حيث العظام والعضلات. كما يكون قفصه الصدري طويلاً ضيقاً.

 2.  النمط البدين: Pyknic ويتميز أفراده بالامتلاء، وزيادة محيط تجاويف الجسم (الرأس، الصدر، المعدة)، مع استدارة القوام، وقصر الرقبة، توزيع الدهون حول جذع الجسم.

 3.  النمط الرياضي: Athletic ويتميز أفراده بالبنيان العضلي القوي، وزيادة نمو الهيكل العظمي. مع قوة لعضلات، والمعدة والجلد، وزيادة عرض الكتفين.

 4.  النمط المختلط: Dyspalstic وهو النمط الذي بتميز بعدم اتساق نسب الجسم، وتظهر فيه بعض مظاهر الأنماط الثلاثة السابقة.

 

  وبدأ كريتشمر في دراسة العلاقة بين هذه الأنماط وطبيعة الإصابة بالمرض العقلي، وذلك بفحص العديد من الحالات المرضية.  وتوصل إلى أن هناك قرابة بيولوجية واضحة بين الفصام والنمط النحيف بشكل أساسي، وكذلك النمط الرياضي والمختلط. كما وجد علاقة قوية بين ذهان الهوس والإكتئاب والنمط البدين.

 

  ويمكن في النهاية أن نلخص إسهامات كريتشمر في مجال علم النفس الجبلّي في النقاط التالية:-

 1. أبتكر وسيلة للتصنيف الموضوعي للأفراد، من خلال عدد من فئات البنيان الجسمي.

 2. أوجد رابطة بين البنيان الجسمي، والأشكال السوية للسلوك.

 3. أوجد رابطة بين البنيان الجسمي، والأشكال المرضية للسلوك، وخاصة مرض الفصام، وذهان الهوس والإكتئاب.

 

3- نظرية شيلدون:-

  يعد وليم شيلدون W. Sheldon وبحق الممثل الحديث لعلم النفس الجبلي. وهو أحد علماء النفس الذين استطاعوا الحصول على درجة في الطب، عمل بعدها في مجال دراسة الطب العقلي. وتعتبر نظريته امتدادا لنظرية كريتشمر من حيث إيجاد العلاقة بين بنية الجسم أو نمطه المورفولوجي والسلوك. وأستطاع أن يضع مجموعة من المؤلفات في أربعينات هذا القرن عن أنواع البنيان الجسمي للإنسان، وأنواع المزاج.

 

  ويرى شيلدون أهمية واضحة وحاسمة لأثر البنيان الجسمي كمحدد أولي للسلوك. ويكمن خلف إلحاحه هذا قناعته بأهمية العوامل البيولوجية والوراثية في تحديد السلوك. بل إن الأمر يصل بالنسبة له إلى أن محاولة فهم الإنسان على نحو صحيح لا يمكن أن تتم دون زيادة فهم العوامل البيولوجية، التي تلعب دوراً حاسماً في تطور الفرد. وهو بذلك حوّل الاهتمام من العوامل الخارجية البيئية، إلى العوامل الداخلية الوراثية، باعتبارها عوامل ثابتة نسبياً.

 

  وفي ضوء ما أعتقده شيلدون حاول أن يوجد طريقة منظمة لقياس العوامل البيولوجية وتشخيصها، وعدم الاكتفاء بتصنيف الأبنية الجسمية. وهو يفترض وجود بناء بيولوجي يكمن وراء البنيان الجسمي الخارجي الذي نلاحظه. وأن هذا الطراز البنياني يلعب دوراً هاماً لا في النمو الجسمي فحسب، وإنما في تشكيل مظاهر السلوك بعامة. وقد وضع ثلاثة أنواع  من أنماط التركيب الجسمي (الفيزيقي)، ترتبط بثلاثة أنواع من الأمزجة. وفيما يلي شرح هذه الأنواع:-

 

- أنواع الأنماط الجسمية:-

  حدد شيلدون ثلاثة أنواع أساسية أو أولية من البنيان الجسمي تعتمد في تقسيمها على الطبقات الثلاثة التي تتكون في الخلية الملقحة، والتي سبق وأشرنا إليها في فصل التكاثر (طبقة الإندوديرم، طبقة الميزوديرم، طبقة الإكتوديرم). وهذه الطبقات تتمايز منها أجهزة الجسم المختلفة مع استمرار عمليات الانقسام وتكوين الجنين. كما وضع بالإضافة لذلك نمطين آخرين ثانويين. وتشمل أنواع البنيان الجسمي الظاهري (المورفولوجي) ما يلي:-

 1.  النمط الإندورموفي Endomorphic ويرجع لزيادة طبقة الإندوديرم (الطبقة الداخلية) المسئولة عن تكوين الجهاز الهضمي والأحشاء. ويتميز صاحب هذا النمط بالإمتلاء، وزيادة حجم البطن،  والمظهر الكروي، مع تخلف في نمو العظام والعضلات.

 2.  النمط الميزومورفي Mesomorphic ويرجع لزيادة طبقة الميزوديرم (الطبقة الوسطى) المسئولة عن تكوين العظام والجهاز العضلي والقلب. ويتميز صاحب هذا النمط بقوة البنيان الجسمي، وزيادة طول العظام.

 3.  النمط الإكتومورفي Ectomorphic ويرجع لزيادة وغلبة طبقة الإكتوديرم (الطبقة الخارجية) المسئولة عن تكوين الجهاز العصبي. ويتميز صاحب هذا النمط بكبر حجم الدماغ والجهاز العصبي، والطول، ودقة الجسم، مع بساطة العضلات والنحافة.

 

 

  أما الأنماط الثانوية، فتشمل نمطين هما:-

 1. النمط المختلط: Dysplasic وقد استعاره من النمط الذي وضعه كريتشمر من قبل. وهو خليط غير متسق من الأنماط الثلاثة الأولية، حيث تنتمي بعض أجزاء الجسم إلى نمط معين، بينما تنتمي الأجزاء الأخرى إلى النمطين الآخرين.

 2.  النمط الأنثوي: Gynadomorphic وهو يعبر عن وجود سمات جسمية ترتبط بالبنيان الجسمي للجنس الآخر. فقد يملك الذكر حوضاً واسعاً، وأهداباً طويلة، واستدارة جسمية أنثوية. ونجد سمات الرجولة لدى الأنثى.

 

 

- أنواع الأمزجة:-

  حدد شيلدون ثلاثة أنواع من الأمزجة ترتبط والأنماط المورفولوجية الثلاثة السابقة. ويحتوي كل مزاج على ما يقارب 20 سمة (مجموعها فى الأمزجة الثلاثة 60 سمة) لخصها في ثلاثين سمة أساسية. وتشمل هذه الأمزجة ما يلي:-

1- المزاج الحشوي: Viscerotonia ويقابل النمط الإندومورفي. ويتميز الفرد ذو الدرجة العالية على هذا المكون بمجموعة من السمات نوجزها فبما يلي:-

          أ- الحب العام للراحة الجسمية.   ب- حب الطعام والنهم، والتلذذ بالهضم.

          ج- بطء الإستجابة، وهدوء الطبع.        د- التسامح والرضا مع الآخرين.

          هـ- الحاجة إلى الناس وقت الشدة.         و- سهولة التواصل معهم.

          ز- شخصية متمركزة حول الأحشاء، وتسيطر عليها حاجات الجهاز الهضمي.

 

2- المزاج البدني: Somatotonia ويقابل النمط الميزومورفي. ويميل أصحابه إلى أمتلاك السمات التالية:-

          أ- حب المغامرات البدنية وركوب المخاطر.       ب- النشاط والحيوية.

          ج- حب السيطرة واشتهاء السلطة.                  د- العدوانية التنافسية.

          هـ- قلة الانصياع للروتين.                           و- جمود تجاه عواطف الآخرين.

          ز- تأكيد الذات، والنضج الزائد في المظهر.       ح- الخوف من الأماكن المغلقة.

 

3- المزاج المخي: Cerebrotonia ويقابل النمط الإكتومورفي. ويتصف أصحابه بالسمات التالية:-

          أ- التحفظ الانفعالي والسرية.                        ب- حب الوحدة، والانطواء.

          ج- حدة العقل، وزيادة الانتباه والفهم.               د- سرعة ردود الأفعال.

          هـ- المبالغة في الاستجابات الفسيولوجية. و- قلة النوم، وحساسية للألم.

          ز- الخوف من الأماكن المفتوحة.          ح- كف التخاطب الاجتماعي.

 

  - علاقة البنيان الجسمي بالإضطرابات العقلية:-

  لم يكتف شيلدون بوجود علاقة إرتباطية إحصائية بين البنيان الجسمي والصفات السلوكية والسلوك السوي فحسب، وإنما أهتم أيضاً بالعلاقة بين الأنماط الجسمية وطبيعة الإضطرابات العقلية. ومن خلال ملاحظته للعديد من المرضى العقليين على مر سنوات طويلة، حاول شيلدون أن يوجد تصوراً أو صيغة لتشخيص الاضطراب العقلي بنفس الطريقة التي وضع بها تصوره عن البنيان الجسمي. وقد توصل إلى هذه الصيغة من خلال ثلاثة أبعاد أولية تقابل أنواع المزاج الثلاثة التي ذكرها. وتشمل هذه الأبعاد ما يلي:-

 

 1. البعد البارانوي: Paranoid ويمثل في قمته ذهان البارانويا (وهو حالة عقلية تتسم بوجود أفكار واعتقادات خاطئة اضطهادية) ويمثل نقصاً في المزاج الحشوي.

 2. البعد الهيبويد: Heboid ويمثل الفصام الهيبيفريني أو فصام المراهقة (ويتميز بوجود اضطراب في التفكير يشمل الضلالات، واضطراب في الإدراك يشمل الهلاوس السمعية والبصرية)، ويقابل نقصاً في المزاج البدني.

 3. البعد الوجداني: Affective ويشمل في قمته ذهان الهوس والإكتئاب، ويمثل هذا البعد نقصاً في المزاج المخي.

 

  وعلى الرغم مما قدمه شيلدون من إسهامات في مجال الشخصية وفهم السلوك، إلا أنه لم يسلم من توجيه الانتقادات -شأنه في ذلك شأن كل المُنظّرِين للسلوك الإنساني- لمبالغته في أثر العوامل البيولوجية الوراثية على السلوك. ويرى نقاده أنه بالغ في معاملات الارتباط التي أوجدها بين البنية الجسمية والمزاج. وهي انتقادات خاصة بأخطاء منهجية في أبحاثه. فالأدوات التي أستخدمها لقياس المزاج أدوات غير دقيقة. كما أنه أنحاز لملاحظاته على البنيان الجسمي والمزاج معاً. فالارتباطات التي أوردها فيما يتعلق بهذه الناحية كبيرة، ومن الحجم الذي لا يتفق مع كل ما هو معروف ومفترض عن السلوك الإنساني. فخطأ القياس المحتم وجوده في استخدام الأداة التي أستخدمها لتقييم المزاج، وتعقد العوامل التي لابد من وجود دور لها في تحديد الظواهر السلوكية، كلها أمور تتضافر بحيث تجعل من غير الممكن لغيره من العلماء أن يوجد نفس حجم الارتباطات التي وجدها شيلدون.

الشخصية بين الوراثة والبيئة

 

  لقد أسهبنا في الجزء السابق من هذا الفصل في سرد الكثير من العوامل البيولوجية والوراثية التي تؤثر على الشخصية وتكوينها وخصائصها. ولعل هذا الإسهاب نابع من كوننا نناقش موضوعاً بيولوجياً في المقام الأول، يطرح العديد من التساؤلات حول أثر الوراثة في تكوين الفرد. ومع ذلك فإن هذا المنطلق لا يجعلنا نغُض الطرف عن متغير آخر، هام ومؤثر في تكوين الفرد، وهو عامل البيئة التي يتواجد فيها الفرد منذ أن يغادر البيئة البيولوجية متمثلة في رحم الأم، حاملاً معه خصائصه الوراثية التي تحدد تفاعلاته مع البيئة الجديدة، بل إنها تتأثر في بعض الأحيان بهذه البيئة.

 

  وإذا كانت الوراثة تعني الاستعدادات العامة والخاصة الكامنة في الفرد، والتي يولد بها وتستجيب بعد ذلك للمثيرات الداخلية والخارجية، فتنشط وتظهر. فإن مفهوم البيئة يعني تلك المثيرات الخارجية التي تحرك الاستعدادات الكامنة لدى الفرد. والبيئة بهذا المعنى تشمل كل ما يستطيع الفرد أن يتحرك فيه، أو نحوه، أو بعيداً عنه. وهي بالتالي تشير إلى جميع الظواهر الاجتماعية والبيولوجية والفيزيقية والكيميائية التي تؤثر في الكائنات من خارجها. وعلى ذلك فإنه يمكن تصنيف البيئة إلى أنواع متعددة. فالبيئة الفيزيقية أو الطبيعية تشمل الظروف المادية المحيطة بالفرد من حرارة ورطوبة وضوء ...إلخ. والبيئة الاجتماعية تمثل البيئة التي ينشأ فيها الفرد بكل ما فيها من معايير وقيم ومثل وأنساق اجتماعية. وهكذا الحال في بقية الأنواع.

 

  ومن الخطأ أن نعتقد أن العوامل الوراثية يتوقف أثرها بعد الميلاد، كما أنه من الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن عوامل البيئية لا تبدأ إلا بعد الميلاد. فبعض الصفات الوراثية لا يظهر تأثيره إلا في مراحل معينة من نمو الفرد، كالخصائص الجنسية الثانوية مثلاً، كما أن الجنين يتعرض لآثار البيئة وهو داخل رحم الأم.

 

  وثنائية تأثير الوراثة والبيئة على الإنسان مسألة شغلت العلماء منذ القدم. وكان السؤال الذي يطرح نفسه دائماً حول صفة أو سلوك ما: هل هذه الصفة أو هذا السلوك موروث أم مكتسب، طبيعة أم تطبع، جين أم بيئة؟. والإجابة على هذه التساؤلات كانت تأتي دائماً من فريقين: الأول ويرى أن السلوك محتم بيولوجياً. أي أن الأفراد وأفعالهم نتائج محتومة للخصائص البيوكيميائية للخلايا التي تتكون منها أجسامهم. وهي خصائص محددة على مكونات الجينات التي يحملها الفرد. ويطرح أصحاب هذا الفريق مفهوم الحتمية البيولوجية Biological determinism. أي أننا محكومون جزئياً بساعة وراثية معقدة ودقيقة. ساعة لا تفجر فحسب التغيرات البدنية العريضة كقفزات النمو والبلوغ وسن اليأس والشيخوخة. بل إنها توجه أيضاً السياق العام لتفاصيل أدق في حياتنا، أنها تؤثر في توقيت كل ما هو بيولوجي تقريباً.

 

  أما الفريق الثاني فيأتي مناقضاً تماماً لرأي الفريق الأول من حيث أنه يرى أن الأفراد وأفعالهم نتاج لخصائص البيئة الثقافية التي يعيشون فيها. فالبيئة هي المحدد لخصائصنا، أما البيولوجيا والوراثة فيقف تأثيرهما عند حدود الميلاد، لتحل محلهما الثقافة. وطرح هذا الفريق -في مقابل مفهوم الحتمية البيولوجية- مفهوم الحتمية الثقافية Cultural determinism. وقد وصل الحد بجون واطسون وهو أحد المؤيدين بشدة لأثر البيئة على السلوك، أن يطرح مقولته الشهيرة " إعطني أثنى عشر طفلاً من الأطفال الأصحاء بدنياً، وأنا كفيل بأن أجعل منهم الطبيب والمهندس والمحامي ...إلخ، بغض النظر عن قدراتهم الفطرية.".

 

  والحقيقة أن دعاوى كل فريق إنما تحجب الكثير من أوجه المعرفة الحقيقية بالإنسان. ولذلك فإن السؤال الدائر حول موروث أم مكتسب، وراثة أم بيئة يعد سؤالاً غير طبيعي. ذلك لأن عوامل الوراثة وعوامل البيئة لا تتنافس فيما بينها. ومن الطبيعي أن يكون أحدها سائداً أو أقوى من الآخر في بعض الوقت. ولو سلمنا بالحتمية البيولوجية فإنه لا تكون هناك حاجة لأي تغيير، ذلك أن ما يقع في نطاق الضرورة يخرج عن نطاق العدل. فقضية العدل لا تنشأ إلا عندما يكون ثمة اختيار. فالصفات الظاهرة للفرد ليست عموماً مما يتحدد بجينات معزولة، وإنما هي نتيجة تفاعل بين الجينات والبيئة أثناء التطور.

 

  وقد ظهر مذهب جديد يحل الصراع الدائر بين الفريقين،  يسمى مذهب التفاعلية Interactionism الذي يرى أنه لا الجينات ولا البيئة هي التي تحتم الكائن الحي، وإنما هو تفاعل فريد بينهما. فالكائنات الحية لا ترث صفاتها، وإنما ترث جيناتها فقط، أي ترث جزيئات حمض الدنا. ومنذ لحظة الإخصاب حتى لحظة الموت، فإن الكائن الحي يسير في عملية تاريخية من النمو. وما يصبحه في أي لحظة يعتمد على الجينات التي يحملها في خلاياه، وعلى البيئة التي يحدث فيها النمو. فالجينات لا تستطيع أن تمنع احتراق إصبع فرد قام بوضعه في النار، كما أن البيئة لا تستطيع هي الأخرى أن تمنح الحياة لطفل دون وجود الكروموسومات الأساسية له. ويعني هذا أن الفرد بخصائصه الوراثية يتغير داخل البيئة المتغيرة.

 

  ولفهم هذه المسألة لابد من التعرض لمفهومين هامين هما: القابلية للتوارث Heritability والقابلية للتغير Variability. ويشير المصطلح الأول إلى ميل الخصائص والصفات لتوارثها نتيجة محددات وراثية. بينما يشير المصطلح الثاني إلى ميل الفرد للتغير داخل البيئة التي يعيش فيها. ويعتقد البعض أن قابلية صفة ما للتوارث يعني عدم قابليتها للتغير. وهذا الاعتقاد الخاطيء يدحضه مثالان هامان: الأول مرض البول الفينايل كيتوني. فهذا المرض له صفة وراثية متنحية، وهو قابل بهذا المعنى للتوارث. ومع ذلك فإن أعراض التخلف العقلي الناتجة منه يمكن تجنبها -تغييرها- إلى حد كبير إذا ما تم اكتشاف المرض في وقت مبكر، عن طريق الفحوص اللازمة. وإذا أكتشف المرض قبل نهاية الشهر الثاني من عمر الطفل، فإنه يمكن علاجه بتجنب تناول الأطعمة التي تحتوي على بروتينات خاصة تزيد من تراكم المادة الضارة، والمتسببة في إحداث المرض نتيجة تأثيرها على خلايا المخ. وقد أظهرت متابعة العديد من الحالات نجاحاً كبيراً، وتقدماً ملحوظاً في النمو العقلي، حتى يكاد يصبح الطفل طبيعياً في سن الخامسة من عمره تقريباً.

 

  أما المثال الثاني فهو مرض ويلسون Wilson’s disease، وهو أحد الأمراض الوراثية المتنحية، التي ترجع إلى اضطراب في التمثيل الغذائي للنحاس، نتيجة وجود أحد الجينات التي تمنع عملية التمثيل. ويؤدى تراكم النواتج الضارة للنحاس إلى تلف خلايا الجهاز العصبي، وتليف الكبد، وتظهر معظم أعراضه في فترة البلوغ. وهذا المرض القابل للتوارث أصبح من الممكن الآن التحكم -تغيير- في أعراضه بتناول عقار البنيسيلامين Penicillamine. وهذا العقار يؤثر على التمثيل الغذائي للنحاس، بما لا يترك الفرصة لإحداث أعراض المرض عن طريق إعادة التوازن المضطرب في عملية التمثيل.

 

  والحقيقة أن هناك خلطاً في فهم كل من مصطلحي القابلية للتوارث والقابلية للتغير. وهذا الخلط بين ما هو قابل للتوارث وما هو قابل للتغير إنما يرجع إلى سوء الفهم العام لكل من أثر الوراثة والبيئة. ولعل في المثالين السابقين توضيحاً لمدى التغير الذي يمكن أن يصيب بعض الأعراض الوراثية. ولذلك فإن الصفات الظاهرة في الكائن الحي تتغير في كثير من الأحيان، وبعض هذه الصفات يمكن ردها إلى عواملها الوراثية، وبعضها لا يمكن رده لذلك. بل إن بعض الصفات تتجاوز ما هو قابل للتوارث، أو ما هو غير قابل له. ففقد ذراع مثلاً في حادثة ما أمر لا يمكن تغييره أو رده. ومرض ويلسون الذي أشرنا إليه مرض قابل للتوارث، ولكنه قابل للتغيير.

 

  والعلاقة بين عاملي الوراثة والبيئة لا تظهر للوجود بمجرد تلاقي جينات معينة بظروف بيئية خاصة فحسب. بل إن المسألة تستمر عبر الزمن في علاقة دائمة من خذ وهات. فقد تُمكنا مجموعة معينة من الجينات من أن نعدل من البيئة لتصبح أكثر مناسبة لبقائنا. فنحن قد نسكن المناطق الإستوائية، ونتعلم محاربة درجات الحرارة العالية. وفي الوقت نفسه فإن البيئة قد تكون مما يثير وقوع تغير وراثي بأن تؤثر في عملية الانتقاء الطبيعي، مما يساعد على التخلص من الجينات الضارة، والأقل فائدة. والأسباب البيئية للسرطان مثلاً توجد أساساً بسبب تغير البيئة تغيراً سريعاً جداً. وتراثنا الجيني الوراثي لم يتعلم بعد كيف يتعامل مع هذه التغيرات، فتكون النتيجة حدوث المرض.

 

  إن الاستعدادات الكامنة -الوراثية- لا توجد في عزلة عن تأثير المثيرات الخارجية -البيئة- وإنما لابد من وجود تفاعل معها. وهذا التفاعل يمكن توضيحه كمثال في عملية الإبصار. فالعينان موجودتان لدى الوليد، ولكنهما لم يختبرا قبل الولادة لإنعزالهما عن الضوء. ولكن بعد خروج الوليد إلى البيئة الخارجية، وسقوط الضوء عليهما، ونضج العصب البصري، فإنهما تبدءان في الاستجابة. أي تنشط في هذه الحالة ما كان موجودة كقوة كامنة. ويعني ذلك تفاعلاً تم بين الوراثة والبيئة، تفاعلاً يشير إلى وجود جهاز استقبال (مستقبلات) لدى الفرد، كما يشير إلى وجود جهاز استجابة للمثيرات التي يتعرض لها (وهي إمكانات وراثية). ولكن لن تنشط هذه الإمكانات إلا إذا تعرض الفرد لمثير (بيئة) يستقبله، ثم يستجيب له.

 

  والخلاصة أن العوامل البيئية  على اختلاف أنواعها -طبيعية أو اجتماعية أو نفسية- لا تخرج عن كونها مثيرات متعددة تؤثر على العوامل الوراثية محدثة مجموعة من الاستجابات التي تمثل الصفات العامة للفرد. بمعنى أن العوامل البيئية تمد الفرد بالمثيرات التي تجعل إمكانياته الوراثية تستجيب لهذه المثيرات بطريقة ثابتة نوعاً ما.

 

  وفي ضوء المعرفة الحديثة يكون من المتعذر طرح الاختيار: إما الوراثة أو البيئة. وإنما المسألة هي تكامل بين العوامل الوراثية والعوامل البيئية، لأن الفرد بصفاته الوراثية لا يوجد في فراغ، وإنما في محيط يتفاعل معه فيؤثر فيه ويتأثر به، وذلك في عملية معقدة. فلا الفرد ولا البيئة ينفصلان عن بعضهما البعض، فكلاهما مفتوح على الآخر. وكما أنه لا يوجد كائن حي دون بيئته، فإنه لا توجد بيئة دون كائن حي.

 

  ولا ينبغي لنا الآن أن نحاول فهم الإنسان من بعد واحد -وراثي أم بيئي- وإنما من منظور التفاعل القائم بين البعدين. ويعني هذا أن نفهم العلاقة بين ما هو بيولوجي (وراثي) وما هو اجتماعي (بيئي). فالكائن الحي من الناحية البيولوجية هو مجموع صفاته الظاهرية والفسيولوجية والسلوكية. وهذا المجموع له تركيب وراثي (جيني). وحقيقة الأمر أن ما يورث هو التركيب الجيني، وليس الصفات الظاهرة. والتركيب الجيني ثابت، بينما المظهر يتطور ويتغير باستمرار نتيجة التواجد في البيئة. ومعنى ذلك أن الكائن الحي نتاج متفرد للتفاعل ما بين الجينات والبيئة. وهذا الفهم لهذه العلاقة التفاعلية هو أول الطريق لفهم الإنسان. إن المسالة باختصار شديد ما هي إلا ديالكتيك وتفاعل بين الجين من ناحية والبيئة من ناحية أخرى.

 

Home ] Up ] صور البيولوجي ] ف4- طرق دراسة الوراثة ] ف7- الساعة البيولوجية ] المراجع ] صور الوراثة ] صور أنسجة وأجهزة الجسم ] ثبت المصطلحات ] ف3- العمليات الوراثية ] مقدمة الطبعة الأولى ] ف8- السواء والمرض ] ف6- الاتزان البيولوجي ] [ ف5- الشخصية ] ف2- أنسجة وأجهزة الجسم ] ف1- الخلية الحية ]