صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 12 إلى 22 من 23
  1. #12
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    المرأة في حياة الأنبياء (ع)



    لقد كان للمرأة دور بارز وخطير في مسيرة الدعوة الإلهية وحركة الأنبياء والمرسلين (ع)، فقد ساهمت المرأة في الكفاح الفكري والسياسي، وتحمّلت التعذيب والقتل والهجرة وصنوف المعاناة كلّها والإرهاب الفكري والسياسي والجبروت، وأعلنت رأيها بحريّة، وانضمّت الى الدعوة الإلهية رغم ما أصابها من خسارة السلطة والجاه والمال، ولحوق المطاردة والقتل والتشريد والإرهاب بها، فها هي مريم اُمّ المسيح التي عظّمها القرآن كما عظّمها نبيّ الإسلام محمّد (ص)، فقد أثنى القرآن في آيات عديدة على هذه المرأة النموذج وهو يقدِّمها مثلاً أعلى للرّجال، كما يقدِّمها مثلاً أعلى للنّساء ليقتدى بسلوكها واستقامة فكرها وشخصيّتها .
    والذي يدرس تأريخ المرأة في الدعوة الإلهية، يجدها جهة للخطاب كما هو الرّجل، من غير أن يفرِّق الخطاب الإلهي بينهما بسبب الذكورة والأُنوثة .
    وبدراسة عيّنات تأريخية من حياة النساء في مسار الدعوة الالهية، نستطيع أن نفهم الموقع الرائد والفعّال الذي شغلته المرأة في حياة الأنبياء ودعواتهم، فتتجلّى قيمة المرأة في المجتمع الإسلامي، ومشاركتها الفكرية والسياسية، وحقوقها الإنسانية والقانونية، نقرأ هذه المشاركة المتقدِّمة والواسعة عندما نقرأ قصّة كفاح أبي الأنبياء إبراهيم (ع) ضدّ قومه في بابل، في أرض العراق، ومصارعته النمرود، ذلك الصراع الذي انتهى بنجاة ابراهيم (ع) من النار بمعجزة الهية تفوق تصوّرات العقل المادي، ممّا دعاه الى الهجرة الى بلاد الشام، فكانت سارة زوجته والمؤمنة بدعوته رفيقة جهاده، وصاحبته في هجرته الى الشام، ثمّ الى مصر، ليعودا مرّة أخرى الى الشام فيستقرا هناك؛ وليبدأ فصل من أعظم فصول تاريخ الإنسان على يد النبيّ ابراهيم (ع) تسانده زوجه سارة، وتقف الى جنبه في جهاده ومعاناته وهجرته .
    ويتحدّث القرآن عن قصّة الهجرة والحياة الأسرية هذه، كما يتحدّث عن دور هاجر الزوجة الثانية لابراهيم (ع) ومشاركتها في كتابة الفصل المضيء من تاريخ الإنسان في أرض الحجاز، في مكّة المكرّمة، حيث جاء بها من مصر .
    لقد كانت قصّة هذه المرأة من أشهر قصص التاريخ، وأكثرها غرابة، وأعظمها كفاحاً وصبراً، فتألّقت في سماء التأريخ من خلال احتضان ابنها النبيّ اسماعيل، في واد غير ذي زرع عند البيت المحرّم، ليكون أباً لاعظم نبيّ في تأريخ البشرية، وهو محمّد (ص)، ويسجِّل القرآن تلك الحوادث بقوله : (ربِّ إنِّي أسكنتُ مِن ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ) . (ابراهيم / 37)
    ويتحدّث القرآن عن اُمّ موسى (ع) وتلقّيها للتلقين والتوجيه الإلهي الذي اُلقي في نفسها، لتحفظ موسى (ع) من ظلم فرعون، وتكريمها العظيم بإعادته (ع) لها؛ لتكون اُمّ النبيّ المنقذ، الذي حطّم بمساعدة الهية أعظم طاغوت في تأريخ البشرية. يعرضها القرآن محوراً أساسياً في صنع هذه الحوادث، ثمّ يتحدّث عن زوجة فرعون (آسيا) وعن مريم اُم المسيح عيسى (ع) ويعرضهما نموذجاً ومثلاً أعلى لأجيال البشرية، بقوله : (وضربَ اللهُ مثلاً للّذينَ آمنوا امرأةَ فرعون إذ قالت ربِّ ابن لي عندكَ بيتاً في الجنّةِ ونجِّني من فرعونَ وعمله ونجِّني من القوم الظالمين * ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربِّها وكتبه وكانت من القانتين ) . (التحريم / 11 ـ 12)
    لنقرأ هاتين الآيتين، ولنتأمّل بمحتواهما الفكري الرائع الذي تحدّث عن شخصية المرأة بإجلال واحترام، ليس بوسع أيّة حضارة ماديّة أن تمنحهما لها . فقد قدّم القرآن المرأة الصالحة مثلاً عمليّاً للرِّجال والنِّساء، وطالبهم بالاقتداء بها . جاء ذلك في قوله : (وضرب الله مثلاً للّذين آمنوا )انّ عبارتي (ضرب الله مثلاً ) و(للّذين آمنوا ) كما هي واضحة، تبرزان لنا مفهوماً حضارياً إيمانياً فريداً في عالم الفكر والحضارة الخاص بالمرأة الصالحة؛ فقد جعلها مثلاً أعلى، وقدوة للرّجال، كما هي قدوة النساء في العقيدة والموقف الاجتماعي والسياسي، فعرض نموذجين لسموّ شخصيّة المرأة المؤمنة ومكانتها في الفكر الإسلامي. عرض امرأة فرعون، ملكة مصر، وسيِّدة التاج والبلاط والسلطة والسياسة والدولة الكبرى في ذلك العالم، التي تحدّت السلطة، ومريم ابنة عمران التي تحدّت كبرياء بني اسرائيل وتآمرهم، وحربهم الدعائيّة ضدّها .

    وكما كان للمرأة دورها في حياة ابراهيم وموسى وعيسى، نجد دورها واضحاً وعظيماً في حياة النبيّ محمّد (ص) ودعوته؛ فلقد جسّدت هذا الدّور العقيدي الفريد خديجة بنت خويلد القرشيّة (رض) التي كانت سيِّدة مجتمع مرموقة في مكّة المكرّمة، وثريّة صاحبة مال وثروة وتجارة ورأي، لقد كانت أوّل من حدّثها النبيّ (ص) ـ بعد عليّ (ع) ـ بدعوته، فآمنت به وصدّقته، وبذلت أموالها الطائلة لنصرة دعوته، ولاقت معه صنوف الأذى والاضطهاد على امتداد عشر سنوات من حياتها المقدّسة، ودخلت معه الشِّعب، وتحمّلت معاناة الحصار الذي دام ثلاث سنوات، فكانت من أعظم الشخصيات في تاريخ الإسلام؛ لذا سمّى رسول الله (ص) العام الذي توفِّيت فيه عام الحزن .
    ويُعظِّم المسلمون هذه الشخصية تعظيماً فريداً، ويقتدون بسلوكها ومواقفها الكريمة تلك .
    وفي حوار له مع زوجه عائشة حول شخصيّة خديجة ردّ عليها قائلاً : «ما أبدلني الله خيراً منها، كانت اُمّ العيال، وربّة البيت، آمنت بي حين كذّبني النّاس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورُزِقتُ منها الولد، وحُرِمتُ من غيرها» .
    ويتحدّث عنها مرّة أخرى فيقول: «إنِّي لاحبُّ حبيبها» .
    وكما تحدّث عن موقعها في نفسه، وحركة دعوته، ومسار رسالته، تحدّث عن ابنته فاطمة الزّهراء (ع)، فقال: «فاطمة بضعة منِّي، يؤذيني ما آذاها» .
    وسُئل مرّة : «يا رسول الله أيّ أهلك أحبّ إليك ؟ قال : فاطمة بنت محمّد...» .

    من هذه النصوص نفهم مقام المرأة وشخصيّتها في حياة النبيّ (ص) ودعوته، والموقف النبويّ هذا يمثِّل في المفهوم الإسلامي أرقى تقييم لمكانة المرأة الإنسانية، واحترام شخصيّتها .
    ولعلّنا نكتشف من خلال البيان القرآنيّ والتاريخي الموجز هذا أنّ المرأة في مفهوم القرآن والرسالة الإلهية هي حاضنة عظماء الأنبياء (ع)، والمكلّفة بحفظهم، والعناية بهم، والوقوف الى جنبهم، تجسّد ذلك جليّاً في حياة ابراهيم وموسى واسماعيل وعيسى ومحمّد (ص)، أعاظم الأنبياء والمرسلين (ع) ، وقادة الفكر والإصلاح والحضارة الإلهية على هذه الأرض .
    ولقد سجّل القرآن دور المرأة في حياة النبيّ (ص) ودعوته ومشاركتها له في الهجرة والجهاد مقروناً بدور الرّجل عند حديثه عن الهجرة والبيعة والدعوة والولاء، واستحقاق الاجر والمقام الكريم وعلاقة الرّجل بالمرأة... الخ في مئات الآيات من بيانه وحديثه في هذه الموضوعات، مثل قوله تعالى :
    (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).(التوبة / 71)
    (ربِّ اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تُزِد الظّالمين إلاّ تبارا ) . (نوح / 28)
    (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ) .(الحديد / 12)
    في هذه الآيات يرفع القرآن المرأة الى أكرم مقام يمكن أن يحتلّه انسان في الدنيا والآخرة، وهو يتعامل معها كما يتعامل مع صنوها الرّجل على حدٍّ سواء، فهي والرّجل في مفهوم الرسالة الإسلامية (أولياء) يوالي بعضهم بعضاً، ولاءً عقائديّاً، يقومون بإصلاح المجتمع، ومحاربة الفساد والجريمة والانحطاط، ويحملون رسالة الخير والسلام والأعمار في الأرض .
    وفي الآية الثانية يتوجّه النبيّ نوح (ع) إلى ربِّه بالدعاء للمؤمنات، كما يتوجّه اليه سبحانه بالدعاء للمؤمنين، ومن محتوى هذه المناجاة تشعّ مبادئ التكريم والحبّ والاحترام للمرأة، ذلك لأنّ الدّعاء لشخص يحمل هذه المعاني كلّها .
    ويتألّق مقام المرأة مضيئاً، ويشرق مقدّساً على صفحات القرآن من خلال تصويره للمؤمنين والمؤمنات في هالة من نور، يوم لقاء الربّ وساعة استحقاق الجزاء الذي يُقيّم فيه الإنسان من خلال عمله وسعيه في الحياة .

    وهكذا نفهم أنّ القرآن قد منح المرأة الصالحة الحبّ والولاء، ودعا لها بالمغفرة والعفو والرّحمة ، وأحاطها بهالة من نور، وهي المرأة التي مثالها آسية زوجة فرعون، ومريم اُمّ المسيح، وخديجة زوج الرّسول محمّد (ص) وفاطمة بنت محمّد (ص) .
    وندرك عظمة المرأة في الرسالة الإسلامية وفي حياة النبيّ (ص) بالشكل الذي يتسامى بشخصيّتها، ويمجِّدها باحترام وتقدير، حين نعرف أنّ أوّل من استشهد في الإسلام هي (سميّة) اُمّ الصحابيّ الجليل عمّار بن ياسر، قتلها أبو جهل أصد قادة الشرك والرجعيّة . فقد دفعت حياتها ثمناً لمبادئ الرسالة الإسلامية حين بدأت المواجهة بين الإرهاب والطاغوت، وبين محمّد (ص) والمستضعفين والعبيد الذين وجدوا في رسالة الإسلام المنقذ لحقوق الإنسان، والمحرِّر من الجهل واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان . كما سارع العديد من النساء المستضعفات لتصديق النبيّ (ص) في بدء دعوته، وتحمّلن الأذى والتعذيب والاضطهاد، فهاجرن الى الحبشة والى المدينة المنوّرة، ونصرن الله ورسوله (ص) بكلّ ما اُوتين من قوّة .
    وتتألّق شخصيّة المرأة الصالحة حين نُطلّ على المشهد المحيط بالشهداء من خلال تصوير القرآن، وإخباره عنه بقوله تعالى :
    (وأشرقت الارض بنور ربِّها ووُضِعَ الكِتاب وجيء بالنبيِّين والشّهداء وقُضِيَ بينهم بالحقِّ وهم لا يُظلمون ) . (الزمر / 69)

    انّ المرأة المسلمة لمّا تكتشف مكانتها الحقيقية في الإسلام بعد، وانّ الرّجل المسلم لمّا يعرف مكانة المرأة في الإسلام على حقيقتها أيضاً، لذا اختلّ ميزان التعامل والعلاقة، الذي لا يستقر إلاّ بالعودة الى مبادئ القرآن ليعرف كلّ منهم حقّه ومكانته ومسؤوليّته تجاه الآخر وعلاقته به.
    وإنّ المرأة اللاّهثة وراء سراب الحضارة المادية الذي يخفي وراءه مستنقع السقوط والاضطهاد للمرأة، لو عرفت ما لها في الإسلام من قيمة وحقّ وتقدير لما نادت إلاّ بالإسلام، ولعرفت أنّ المنقذ لكرامة المرأة وحقّها هو مبادئ القرآن .

  2. #13
    مشرف عام سابق
    تاريخ التسجيل
    20-07-2001
    المشاركات
    4,488
    شكراً
    0
    شُكر 167 مرة في 94 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    18

    أختي ضياء...

    أشكرك على هذا الجهد والنشاط .... بالفعل أثرتي إهتمامي بالموضوع....

    جزاك الله خير على هذا العمل...

    أختي العزيزة أود نظراً لأهمية الموضوع أود منك مشكورة وضع هذا الموضوع وبعد الإنتهاء منه في مجلة الحصن النفسي... ولك مني كل تقدير...

    تحياتي لك


    [url=http://www.bafree.net/fuad.php]حياتك تستاهل ... خطط مع فؤاد.... اشترك معنا الآن!![/url]
    [url=http://www.lifeplaning.com]حياكم الله في موقعي الشخصي... مهارات التخطيط الشخصي[/url]

  3. #14
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    إعداد الشخصية النسويّة لأداء مهامها

    إنّ لعمليّة الأعداد والتربية الأثر الفعّال في بناء وتكوين الشخصية وممارسة مهامها في المجتمع وتوجيه الطّاقة واللّياقات الإنسانية الوجهة البنّاءة، وفي حال إهمال الفرد وحرمانه من عملية التربية والتوجيه والأعداد المدروس والمنظّم ينشأ نشوءاً عفويّاً تتحكّم به الظروف والمحيط والحوادث التي كثيراً ما تتسبّب بقتل شخصيّته وهدر طاقاته وإعاقة نموّه الاجتماعي، فيتحوّل إلى شخصية ضعيفة مهزوزة لا يستطيع أن يتعامل مع المجتمع والحوادث والمشاكل والفرص تعاملاً ناجحاً .
    إنّ الصورة الممثِّلة للاسلام التي يجب أن تُدرس أوضاع المرأة من خلالها هي صورة المرأة في القرآن والسنّة المطهّرة، التي تقوم على أُسس عديدة هي :
    1 ـ وحدة النوع الإنساني، التي تقوم على أساس قوله تعالى : (يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتّقوا الله الذي تساءلون به والارحام إنّ الله كان عليكم رقيباً ) . (النساء / 1)
    ونستطيع أن نفهم عظمة هذه الآية ليس ممّا تحويه من معنى عظيم فحسب، بل ومن افتتاح الوحي سورة النساء التي تحدّثت عن شؤون المرأة بهذه الآية والتأسيس عليها، وهي من كبريات السور، فهي تحوي (176) آية عدا البسملة .
    واعتبار هذه الآية أساساً ومنطلقاً للفكر والتشريع والقيم التي نظّمت العلاقة بين الرّجل والمرأة وحدّدت مكانتها ودورها في المجتمع الإسلامي .

    2 ـ والأساس الثاني الذي يجب أن تُدرس على أساسه العلاقة بين الرّجل والمرأة هي علاقة الحبّ والودّ والرّحمة والاستقرار والطمأنينة الذي تمثّل في قوله تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون ) . (الروم / 21)

    3 ـ التكافؤ في الحقوق والواجبات : (... ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف... ) . (البقرة / 228)
    وهو يعني أنّ لكل من الرّجل والمرأة حقوقاً على الآخر، فلكلّ منهما حقّ وواجب، وعليه أن يؤدِّي واجبه بأداء حقّ الآخر بالمعروف وحُسن المعاشرة. وبذا وازنَ الإسلام وضبط أسس العلاقة بهذا المبدأ التشريعي والاخلاقي الفريد. فثبّت أرقى مبدأ لحقّ المرأة .

    4 ـ أمّا العلاقة الاجتماعية بين الرّجل والمرأة فهي علاقة الولاء، كما ثبّتها القرآن الكريم بقوله : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )، ويكوِّن القرآن هذه الصورة الرائعة لعلاقة الرّجل بالمرأة في المجتمع، فهي علاقة ولاء، يتمثّل فيها أرقى درجات الحبّ والاحترام، فالوليّ في اللّغة هو النصير والمحبّ والصّديق، وبذا نفهم قيمة المرأة الصالحة، فهي والرّجل سواء في هذا التعريف والتقويم القرآني .

    إنّ من الظواهر الاجتماعية الملحوظة في عالمنا الذي خضع للاستعمار والاضطهاد وسيطرة الحكّام الطّغاة هي ظاهرة الاضطهاد والكبت والقهر والتسلّط، فانعكست آثارها على التعامل الاجتماعي والتربية في المدرسة والبيت وعلاقات العمل والتنظيم الاجتماعي بشتّى صورهفغياب الحريّة، والاستهانة بشخصيّة الآخرين واضطهادهم، وعدم احترام إرادتهم، هي ظاهرة مألوفة في مجتمعاتنا الآن، ولا تثير الرّفض والاستنكار إلاّ بحدود لا تتناسب وتلك الظاهرة .

    وتحت وطأة تلك الظاهرة، كان ما أصاب المرأة أشدّ فداحة ممّا يلاقيه الرّجل، فقد ورثت مجتمعاتنا مخلّفات من عادات وتقاليد ومفاهيم متخلِّفة تعاملت من خلالها مع المرأة بالاستهانة بشخصيّتها وقدراتها وكفاءاتها الإنسانية، بل وتعامل معها الرّجل في بيئات كثيرة على أنّها مخلوق دون مستوى إنسانيّة الرّجل، فنشأت مفاهيم عزل المرأة عن الحياة الاجتماعية المتطوِّرة في حقب التخلّف وغياب الوعي والفهم الإسلامي في أوساط المسلمين وكنتيجة طبيعية للوضع الفكري والسياسي والاجتماعي العام . غير أنّ ما يثير الاستغراب هو نسبة تلك المفاهيم، وما تعانيه المرأة من حرمان، وعزل اجتماعي، إلى الإسلام من قِبَل بعض الكتّاب ودعاة الفكر المادي .

    وتحت وطأة ظروف الجهل والتخلّف خضع المسلمون للغزو الفكري المادي بمدرستيه الجاهليّتين الشرقية والغربية، فكان في طليعة ما حمل هذا الغزو هو محاربة الفكر الإسلامي، والتركيز على أوضاع المرأة في العالم الإسلامي، فانصبّ اهتمام المؤسّسات الاعلامية والثقافية غير الإسلامية، والأحزاب العلمانية، ودعاة الماديّة والإباحية على سحب المرأة من تلك الظروف والأوضاع التي تعيشها في مجتمع متخلِّف إلى دائرة الإباحيّة، وإسقاط المرأة، والمتاجرة بقضيّتها سياسياً وحضارياً، بعد أن تشخّص لديهم أنّ إفساد المرأة عن طريق الإباحة الجنسيّة، تحت شعار : (حريّة المرأة) و (حقوق المرأة) هو الطريق لإفساد الجيل من الذكور والإناث؛ ذلك لانّ المرأة هي مصدر الأغراء والإثارة الجنسية، كما أنّ إشاعة الإباحة الجنسية، والتي اخترعوا لها مصطلح (الحقوق الجنسية)، هي من أخطر وسائل هدم الاُسرة، وتشريد الأبناء، وتدمير العلاقات الإنسانية المتينة بين الرّجل والمرأة .

    وهكذا يواجه مشروع إعداد وتربية المرأة ثلاثة اتجاهات هي :
    1 ـ الاتجاه الذي أفرزته ظروف التخلّف والوعي الحضاري غير السليم، وهو الاتجاه القائم على أساس الاستهانة بشخصيّة المرأة، وكبت إرادتها، وتغييب دورها الاجتماعي والإنساني إلى جنب الرّجل. وهو الاتجاه المتوارث من التقاليد والأعراف الناشئة عن الجهل بالإسلام وظروف التسلّط، واستعلاء الرّجل، والتخلّف الفكري .

    2 ـ الاتجاه المادي : الذي تنادي به الحضارة المادية الغربية، وهو الاتجاه المنادي بالإباحة الجنسية الذي يقود الى تدمير العلاقات الأسرية، وتسليط الاضطهاد والظلم على المرأة بأسلوب وطريقة أخرى، تحت شعار (حقوق المرأة) و (الحقوق الجنسية) ... الخ ، والذي جعل المرأة ضحيّة الاستمتاع والاغتصاب الجنسي والأمراض الجنسية .

    3 ـ الاتجاه الإسلامي : وهو الاتجاه الذي آمن بوحدة النوع الإنساني، ونظَّم العلاقة بين الرّجل والمرأة على أساس الاحترام والتعاون في بناء المجتمع، وتنظيم العلاقات الجنسية لا على أساس إباحة جسد المرأة، والاستمتاع به، وهدم أسس الروابط الأسريّة، كما يحدث الآن في أوربا وأمريكا وروسيا والصين واليابان، وغيرها من بلدان العالم المتأثِّرة بتيّار الحضارة الماديّة، بل على أساس احترام انسانيّة المرأة، ومنحها حقّها كإنسان له خصائصه وحقوقه، ومقوّمات شخصيّته .

  4. #15
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    البناء من خلال العلاقة الأسريّة

    لقد وضح لدينا أنّ المجتمع يقوم بشكل أساس على ثلاث ركائز أساسيّة هي :
    1 ـ التفاعل بين الحالتين الأُنثويّة والذكريّة، بما فيهما من خصائص نفسية وجسدية، وإنّ سعادة المجتمع واستقراره النفسي، ونموّه الاجتماعي والمادي وتطوّره الإنتاجي، واستقامة سلوكه يرتبط إلى حدّ بعيد بالتفاعل السَّويّ المتبادل بين الحالتين النفسيّتين، الحالة الأنثوية والحالة الذكرية .
    2 ـ رابطة الفكر والثقافة المشتركة .
    3 ـ تبادل المنافع بين أفراد المجتمع بمختلف عناصره من ذكور وإناث .
    وتأسيساً على الركيزتين الاُولى والثالثة، نشأت الوظيفة الاجتماعية لكل فرد من أفراد المجتمع، ذكوراً وإناثاً، بما يناسب قدراته الجسدية والعقلية وميوله النفسية .
    ومن هذه المنطلقات تتحرّك المرأة للمشاركة في بناء الأسرة والمجتمع، وانّ أوسع مجالات هذه المشاركة لهي الأسرة .

    وقد توصّلت الدراسات النفسية إلى ما بيّنه القرآن الكريم، من أنّ الأسرة هي قاعدة بناء المجتمع ومؤسّسة من أهم مؤسّساته والأساس الذي تُبنى عليه الحياة الاجتماعية؛ لذا وضّح القرآن ذلك ووضع قواعد العلاقة الزوجية وبيّن الحقوق والواجبات لكلّ من الرّجل والمرأة؛ ليمكنهما من العمل، وبناء الحياة الاجتماعية السعيدة.

    قال تعالى : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنّ في ذلك لايات لقوم يتفكّرون ) . (الروم / 21)
    (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) .(الأعراف / 189)
    (الرِّجال قوّامون على النِّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصّالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ... ) .(النساء / 34)
    (ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف ) . (البقرة / 228)
    (وعاشروهنّ بالمعروف ) . (النساء / 19)
    (لينفق ذو سعة من سعته ) . (الطّلاق / 7)
    (وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) .(المائدة / 2)

    وكما تحدّث القرآن في الأسس والروابط الإنسانية والقانونية في الاُسرة، تحدّثت السنّة النبويّة عن ذلك، نذكر منها ما روي عن الرسول الكريم (ص) : «كلّكم راع فمسؤول عن رعيّته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته، والرّجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده، وهو مسؤول عنه، ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته» .
    وما روي عن الصادق (ع) : «من خُلق الأنبياء حبّ النساء» .
    وما روي عنه (ع) أيضاً : «ما أظنّ رجلاً يزداد في الايمان خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء» .

    ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنّ البناء الذي تمارسه المرأة في المجتمع تارة يكون عملاً مباشراً، وأخرى من خلال علاقتها النفسيّة والأخلاقيّة بالزّوج والأبناء. فالزّوجة التي توفِّر أجواء الراحة وحُسن المعاشرة للزّوج وتحقِّق له الودّ والمحبّة والاستقرار النفسيّ كما ينبغي للعلاقة بينهما، فانّ مثل تلك الأجواء النفسيّة تؤثِّر على شخصيّة الزّوج وعلاقته الاجتماعيّة بالآخرين وفي قدرته على الإنتاج والعطاء، ذلك لانّ الوضع النفسيّ للانسان يؤثِّر في مجمل نشاطه وعلاقاته بالآخرين. أمّا حينما تكون الحياة الزوجيّة مليئة بالمشاكل والقلق والتوتّر، فانّ ذلك ينعكس على شخصيّة الزّوج وعلى عمله وانتاجه وعلاقاته بالآخرين. وكما تنعكس الأجواء النفسيّة في الأسرة على الزّوج، تنعكس كذلك على الأبناء.
    فإنّ الطّفل الذي ينشأ في جوّ الكراهيّة والتوتّر والمشاكل وسوء المعاملة، من الصّعب أن يكون شخصيّة سويّة في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين، وفي توجيه طاقاته الفكريّة والجسديّة، فكثيراً ما يتحوّل الطّفل بسبب ظروف التربية السيِّئة إلى إنسان عدوانيّ شاذّ أو كسول غير منتج أو متسكِّع محدِث للمشاكل والجرائم. في حين تساهم التربية السليمة في تكوين الشخصيّة السليمة، فتؤثِّر تلك التربية في مستقبل الطفل العلمي والاجتماعي والاقتصادي. لذا كان دور المرأة فعّالاً في البناء الاجتماعي من خلال التربية وإعداد العناصر الصالحة للمجتمع، وكذلك من خلال توفير الأجواء السليمة للزّوج .

    فالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة حدّدا في هذه النصوص الأسس والقواعد القانونية والنفسية والتربوية والتنظيمية والإدارية للأسرة، ومن خلال ذلك تساهم المرأة في بناء المجتمع .

    فبناء الاُسرة يقوم على أسس :
    1 ـ الحبّ والودّ والرّحمة والاحترام بين الزوجين .
    2 ـ للمرأة من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات .
    3 ـ للرّجل القوامة ودور القيادة والأشراف الإداري على البيت .
    4 ـ التعاون على شؤون الحياة الزوجية .
    5 ـ الاعتدال في النفقة والحفاظ على اقتصاد الأسرة .
    6 ـ الشعور بالمسؤولية، شعور الزوج بمسؤوليته تجاه زوجته وأفراد أسرته، وشعور الزوجة بالمسؤولية تجاه زوجها وأبنائها وأسرتها .

    فهي مسؤولة عن رعاية البيت والأبناء، والمشاركة في تربيتهم تربية صالحة، والتعامل معهم بالحبّ والعطف والرعاية .

  5. #16
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    المرأة واقتصاد الأسرة

    إنّ من المشاكل الأساسية للمجتمع البشري هي مشكلة المال والدّخل الفردي والجماعي والموازنة بين الوارد والنّفقة، وينسحب ذلك على اقتصاد الأسرة وموازنتها المالية في النفقة والاستهلاك، فالإسراف والتبـذير بالطّعام والشّراب والزينة واللِّباس والسّـكن والكماليّات والخدمات هي من أخطر مشاكل الإنسان، فهناك البذخ والتبذير والإسراف والصّرف غير المتقن الذي يرهق اقتصاد الأسرة والأمّة والدّولة، ولا يتناسب في كثير من الأحيان مع دخل الأسرة وواردها، ولكي تنتظم موازنة المجتمع الاقتصادية، دعا الإسلام الى الاعتدال في النفقة وحرّم الإسراف والتبذير كما حرّم التقتير والبخل والحرمان .

    ومن المشاكل الأساسية في الأنفاق هي مشكلة إنفاق الأسرة وميزانيّتها التي تتحمّل المرأة المسؤولية الكبرى في تنظيمها وتحديد طبيعتها .

    لقد وضعت الشريعة الإسلامية الاُسس العامّة لترشيد الأنفاق بإطلاقه، كما حدّدت النظام الأساسي لأنفاق الأسرة وميزانيّتها بشكل محدّد، نذكر من ذلك وصف القرآن لعباد الرّحمن، المثل الأعلى في الانضباط والالتزام الذي وضّح فيه منهجهم القويم في الأنفاق الذي دعا الفرد والجماعة الى الالتزام به، قال تعالى :
    ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ). (الفرقان / 67)
    وفي موضع آخر يحرِّم القرآن الاسراف ويشدِّد على ذلك بقوله : (وكلوا واشربوا ولا تُسرِفوا ) . (الاعراف / 31)
    وبقوله : (وآتِ ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذِّر تبذيراً * إنّ المبذِّرين كانوا اُخوان الشّياطين وكان الشيطان لربِّه كفوراً ) .(الاسراء / 26 ـ 27)
    (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسطِ فتقعد ملوماً محسوراً ) . (الاسراء / 29)
    (أسكنوهنّ من حيثُ سَكنتُم مِن وُجْدِكُم وَلا تَضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقوا عَلَيهِنّ وَإن كُنّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِن سَعَتِهِ وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً ). (الطّلاق/6ـ 7)

    وهكذا تتحدّد الأسس العامّة لميزانيّة الأسرة والصّرف والنّفقة ضمن اطارين من التقنين والتربية والتوجيه الأخلاقي، وهما الإطار الاجتماعي والإطار الأسري .

    ويبرز دور المرأة في تدبير شؤون المنزل والاقتصاد المنزلي، في حرصها على ماليّة الأسرة ومراعاتها الاعتدال في الصّرف والكماليّات ووسائل الزينة والمباهات في الصّرف وحبّ الظهور .

    فإنّ بإمكان الأم أن توفِّر قسطاً من وارد الأسرة وتخفِّف عن الرّجل تحمّل الديون بتقليل الصّرف، والتأثير على الأبناء بل والزّوج في رسم سياسة انفاق معتدلة للاُسرة توازن بين وارداتها ومقادير الاستهلاك والإنفاق .

    إنّ كثرة الاستهلاك والإسراف والتبذير في الأسرة ينعكس أثره ليس على الأسرة فحسب، بل وعلى الوضع الاقتصادي العام في المجتمع والدولة، إذ ترتفع القوّة الشرائية في السوق نتيجة الانفاق والاستهلاك المرتفع فتنخفض قيمة النقد وترتفع أسعار السّلع والخدمات، فيتصاعد حرمان الفقراء وتغرق الاُسر في الديون والمشاكل الاجتماعية، كما تواجه العملة حالة التضخّم النقديّ، وتنشأ المشاكل السياسية والأمنية والأخلاقية نتيجة لاضطراب الوضع الاقتصادي في المجتمع .

    إنّ تثقيف المرأة وتخصيص حصص خاصّة في المنهج الدراسي للاقتصاد المنزلي الإسلامي وتثقيف المرأة على الاعتدال في النّفقة وتخطيط ميزانية الاُسرة يساهم في بناء الوضع الاقتصادي وإنقاذه من المشاكل، لا سيّما مشكلة الغلاء وحرمان الطبقات الفقيرة .

    وبذا تساهم المرأة في بناء المجتمع عن طريق توجيه وتنظيم اقتصاد الاُسرة، والاعتدال في النّفقة جرياً على منهج القرآن ودعوته الحكيمة، ولتؤدِّي المرأة مسؤوليّتها كراعية لبيت زوجها، ومسؤولة عنه، كما جاء في البيان النبويّ الكريم .

  6. #17
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    العمل والشريعة الإسلامية

    لقد دعت الشريعة الإسلامية إلى العمل، وأكّدت الحثّ بما لا مزيد عليه من النصوص والمفاهيم والمواقف العمليّة .
    منها قوله تعالى : (هو الذي جعل لكم الارض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النّشور ) . (الملك / 15)
    ومنها قوله تعالى : (فإذا قُضيت الصّلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله ).(الجمعة / 10)
    ومنها قوله تعالى : (وابتغ فيما آتاك الله الدّار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدّنيا ).(القصص / 77)

    وكما دعت الشريعة الإسلاميّة الى العمل والانتاج، أوضحت اختلاف الطّاقات والمؤهِّلات البشريّة، وضرورة التكامل بتبادل المنافع بين أفراد النوع البشريّ، قال تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً ) . (الزخرف / 43)
    وكما حثّ القرآن على العمل والإنتاج وتبادل المنافع، اعتبر الرسول محمّد (ص) العمل والإنتاج جهاداً وعبادة، فقد جاء ذلك في ما رُوي عنه (ص) من قوله : «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله» .
    «العبادة سبعة أجزاء، أفضلها طلب الحلال» .

    وقد كرّس الفقهاء جهداً كبيراً من دراساتهم وتحليلاتهم للعمل والانتاج ، فاستنبطوا أحكام الشريعة وموقفها من العمل الانتاجي والخدمي، وقسّموه من حيث الحكم الشرعيّ إلى خمسة أقسام هي :
    1 ـ الوجوب : اعتبرت الشريعة الإسلامية العمل من أجل سدِّ الحاجة وإشباعها للنفس، أو لمن تجب إعالته، واجباً، بل أوجبت على المدين القادر على العمل أن يعمل من أجل قضاء دينه .
    2 ـ اعتبرت العمل من أجل التوسعة في النفقة، وتوفير الرّفاه، وعمل البرّ والمعروف، من المستحبّات التي حثّت الإنسان على مزاولته .
    3 ـ حرّمت الشريعة الإسلامية العمل في الأشياء المحرّمة؛ كصناعة الخمر والمخدِّرات والرّقص والزِّنا … الخ، كما حرّمت كل عمل يقود الى الوقوع في الحرام، وإن كان محلّلاً بذاته .
    4 ـ اعتبرت الشريعة الإسلامية بعضاً من الاعمال عملاً مكروهاً بذاته، أو لاجل غيره .
    5 ـ وفيما عدا ما ذكرنا آنفاً، فانّ الاصل الذي ثبّتته الشريعة الإسلامية في العمل هو الإباحة، وبذا يكون العمل من أجل جمع المال وزيادة الثروة أمراً مباحاً، ما زال يجري وفق المباح في الشريعة .

    وعند دراسة وتحليل مفاهيم الآيات والنصوص لا نجد فيها ما يمنع المرأة من العمل، ويخصِّص الإباحة بالرّجل، وإن ورد حثّ الرّجل ومخاطبته في بعض النصوص .

    عمل الزّوجة
    حدّدت الشريعة الإسلاميّة الأحكام الخاصّة بعمل الزّوجة بالآتي :
    1 ـ من حقّ الزّوجة أن تشترط على الزّوج أن لا يمنعها من العمل في عقد الزّواج .
    2 ـ أن يوافق الزّوج على عمل زوجته بالتفاهم بينهما؛ إذا أرادت العمل من غير شرط مسبق. وفي حال عدم موافقة الزّوج على عمل زوجته فلا يعني ذلك أنّ الشريعة الإسلامية هي التي منعت المرأة من العمل، بل إنّ ذلك يعود للعلاقة بين الزّوج وزوجته .
    3 ـ إذا تزوّجت المرأة، وكانت قد أجّرت نفسها للخدمة مدّة معيّنة مع آخرين، فإنّ عقد العمل لا يبطل، وإن كان العمل منافياً لحقّ الزّوج .
    4 ـ إذا تعاقدت الزّوجة على إجارة نفسها للخدمة من غير علم الزّوج، توقّفت صحّة الاجازة على موافقة الزّوج فيما ينافي حقوق الزّوج، وينفذ العقد فيما لا ينافي حقّه .
    5 ـ يسري حكم إجارة المرأة نفسها للخدمة على كل عقد للعمل تبرمه المرأة .

    ومن خلال دراسة أحكام الشريعة لا نجد نصّاً يحرِّم العمل على المرأة بالعنوان الاوّلي.
    وانّما يستدلّ من يحرِّم العمل على المرأة خارج البيت، ويعترض البعض بأنّ عمل المرأة ضمن مؤسّسات العمل المختلطة يقود الى الفساد والوقوع في المحرّمات، أي أنّ الحرمة جاءت بسبب ما يؤدِّي إليه الاختلاط بين الرِّجال والنِّساء خلال ممارسة الأعمال من الوقوع في الحرام .
    وبذا تكون تلك الحرمة حرمة بلحاظ العنوان الثانوي لا بلحاظ العنوان الاوّلي، وبعبارة أخرى هي من باب تحريم مقدّمة الحرام (سدّ الذرائع)، أو تحريم المباح الذي يقود الى الوقوع في المحرّم .

    وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ العمل الذي يقود إلى الوقوع في الحرام هو محرّم على كلا الجنسين، الرّجل والمرأة. وعندئذ يستوجب الموقف منع الاختلاط، وتوظيف العنصر الذي يحتاجه العمل بغضّ النظر عن كونه رجلاً أو امرأة .

    لقد اتّضح لنا من خلال تفسير الآية الكريمة : (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً ) أنّ الاختلاف في الطاقة والمهارة والاستعداد للعمل تختلف من فرد لأخر، بغضّ النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، وأنّ تبادل المنافع وإشباع الحاجات الماديّة والخدميّة يتم بين أفراد المجتمع جميعاً؛ ويقدِّم كل فرد، بغضّ النظر عن جنسه (ذكر أو اُنثى) جهده، وطاقته الممكنة؛ لاشباع حاجة المجتمع؛ ليشبع هو أيضاً حاجته من خلال عملية التبادل المادّي والخدمي في المجتمع، فالفلاّح يقدِّم الإنتاج الزراعي، والمهندس والعامل الفنِّي يقومان بصنع الآلة، والطبيب يقدِّم العلاج، والمعلِّم يؤدِّي وظيفته بتعليم الأجيال، والتاجر يوفِّر السلع في الأسواق، والجندي يدافع عن الأوطان، والحارس يكافح اللّصوص ... الخ .

    إنّ دراسة وتحليل الأحكام والمفاهيم الإسلامية جميعها تؤكِّد لنا أنّ الإسلام لم يحرِّم نوعاً من العمل، أو العلم على المرأة، بعد أن أباحه للرّجل، فللمرأة أن تمارس أي عمل من الأعمال، كالزراعة والصناعة والطب والهندسة والإدارة والوظائف السياسية(1) والخياطة وقيادة الطائرة والسيارة والتعليم والتربية ... الخ .

    فليس في الإسلام عمل انتاجي، أو خدمي محلّل للرّجل، ومحرّم على المرأة . فالكل في أحكام الشريعة سواء في ذلك، انّما الفرق بين الرّجل والمرأة في بعض الواجبات التي كلّف بها الرّجل، أو المرأة، أو في بعض الصلاحيّات التي بُنيت على أسس علمية روعي فيها التكوين النفسي والعضوي لكل منهما، وضرورة تنظيم الحياة الاجتماعية وإدارتها .

    فانّ الأصل في الشريعة الإسلامية هو إباحة العمل، بل ايجابه في بعض الإحيان، إلاّ ما حرّم في الشريعة أو ما أدّى الى الوقوع في المحرّم.

    ــــــــــــــــــــــــ
    (1) يستثني الفقهاء من ذلك عدم جواز تولِّي المرأة ولاية أمر المسلمين والقضاء. ويذهب البعض إلى أنّ ليس هناك نص يعتمد عليه في منع المرأة من تولِّي القضاء .

    وإذا كانت هناك صيحات تحريم العمل من قِبَل البعض على المرأة، فانّ ذلك يحتاج الى دليل، وليس هناك من دليل شرعي يدل على التحريم .

    والتأمّل العلمي في تحليل العلماء للواجبات، وتقسيمها الى واجب عيني وكفائي، يتّضح لنا من خلال دراسة الواجب الكفائي أنّ النظام الإسلامي أوجب على الأفراد من غير أن يحدِّد جنس الفرد، رجلاً كان أو امرأة، أوجب عليهم توفير حاجة المجتمع بشتّى صنوفها بشكل جماعي؛ كالطب والهندسة والتعليم والزراعة والتجارة والنقل والأمن وغيرها من الأعمال التي يحتاجها المجتمع، بل ويتحوّل الواجب الكفائي الى واجب عيني على الفرد، أو الأفراد الذين تنحصر فيهم القدرة على أداء ذلك الواجب، وبغضّ النظر عن جنس الرّجل أو المرأة .

    من ذلك نفهم أنّ تقسيم العمل الوظيفي في المجتمع، وأداءه يقوم على أساسين: شخصيّ وجماعيّ، وفي كلتا الحالتين لم يفرِّق الإسلام بين الرّجل والمرأة، بل في مجال بعض الواجبات الكفائية، كواجب الطب والتعليم النسويّين مثلاً يتوجّه الوجوب فيهما الى الجنس النسويّ .

  7. #18
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    المرأة والعمل السياسي

    من المسائل الأساسية التي وضعت للنقاش والحوار الفكري والحضاري في القرن العشرين هي مسألة حقوق المرأة، ومنها المشاركة في الحياة السياسية، والعمل السياسي .
    وممّا يثير الاستغراب أنّ أولئك المنادين بحقوق المرأة السياسية يوجِّهون التهمة الى الفكر الإسلامي، والمعتقدات الإسلامية، ونعتها بأنّها أفكار ومعتقدات تحرم المرأة من المشاركة في الحياة السياسية، وتمنع عليها العمل السياسي. ودعموا مزاعمهم تلك بالأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يشاهدونها في البلدان الإسلامية، من غير أن يفرِّقوا بين الإسلام كنظام وشريعة ومبادئ، وبين الكثير من أتباع الإسلام الذين لا يمثِّلونه في سلوكهم السياسي والاجتماعي، وأنّ الذي يشاهدونه في مجتمع المسلمين، هو مختلف عمّا ينبغي أن يكون في المجتمع الإسلامي، فصورة المرأة في مجتمعات المسلمين تلك ، وطريقة التعامل معها، وقيمتها في المجتمع في مساحته المخالفة للاسلام هي وليدة تصوّرات ومفاهيم نشأت عن أعراف وتقاليد وممارسات اجتماعية لا تمثِّل الإسلام، لا سيّما الموقف من المرأة في الحقل العلمي والثقافي والاجتماعي والسياسي، وعلاقتها بالرّجل .

    إنّ السياسة في الفكر الإسلامي تعني رعاية شؤون الأمّة في مجالاتها الحيوية كافّة، وقيادة مسيرتها في طريق الإسلام؛ لذا فهي مسؤولية اجتماعية عامّة، كلّف بها المسلمون جميعاً .
    وتلك المسؤولية هي في مصطلح العلماء واجب كفائي، يتوجّه فيه الأمر والخطاب لعموم المسلمين، بغضّ النظر عن كونهم رجالاً ونساءً إلاّ ما ورد من استثناء .
    مثل قوله تعالى: (أن أقيموا الدِّين ولا تتفرّقوا فيه ).(الشورى/ 13)
    ومثل قوله تعالى: (وعد الله الّذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الّذين من قبلهم ) . (النور / 55)
    وقوله: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولي الامر منكم) .(النساء / 59)

    وفي كل تلك الآيات يتوجّه الخطاب فيها الى عموم المسلمين رجالاً ونساءً، فإقامة الدِّين بعقيدته وبكامل أنظمته السياسية والاجتماعية والتعبّدية ... الخ، هي مسؤولية الجميع، وخطاب الطاعة لاُولي الأمر الوارد في الآية التي تحدّثت عن الطاعة هو متوجّه الى جميع المكلّفين، والوعد بالاستخلاف متوجِّه الى كل الذين آمنوا وعملوا الصالحات رجالاً ونساءً .

    وقوله تعالى في سورة الممتحنة، الآية 12 : (يا أيُّها النّبيُّ إذا جاءَكَ المؤمناتُ يُبايِعْنكَ على أن لاَ يُشْرِكْنَ باللهِ شَيْئاً وَلا يسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوف فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ،
    ممارسة عملية ودليل قرآنيّ نفّذه الرسول (ص) في حياته التبليغية والسياسية، على قبول بيعة المرأة لوليّ الأمر بل ووجوبها، فانّ البيعة في هذه الآية هي بيعة طاعة لوليّ الأمر، على الالتزام بأحكام الشريعة وقوانينها، والإقرار بولايته، وتمثِّل البيعة أبرز مصاديق الحقوق السياسية في المجتمع الإنساني .
    ولعلّ من أوضح الأدلّة على دور المرأة السياسي وحقوقها السياسية في الإسلام، ما جاء في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآيات الولاية والولاء العامّة الدلالة والشاملة للرِّجال والنِّساء .

    وقد استدلّ الفقيه والمفكِّر الإسلامي الكبير الشهيد السيد محمّد باقر الصدر (قدِّس سرِّه) بهذه الآية على أنّ كل مؤمن ومؤمنة مؤهّل للولاية السياسية، وأنّ الرِّجال والنِّساء سواء فيها، جاء ذلك في نص قوله : «وتمارس الأمّة دورها في الخلافة في الاطار التشريعي للقاعدتين القرآنيّتين التاليتين : (وأمرهم شورى بينهم ) و (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) .
    فإنّ النص الاوّل يعطي الأمّة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى، ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك النص(1)، والنص الثاني يتحدّث عن الولاية، وانّ كل مؤمن ولي الآخرين . ويريد بالولاية
    ــــــــــــــــ
    (1) كالنص الوارد عن الرسول (ص) في إمامة أهل البيت (ع) في حجّة الوداع وغيره . راجع مسند أحمد / ج 1 / ص 118 ، وسنن ابن ماجة / ج 1 / ص 43 / ح 116 ، ومستدرك الحاكم / ج 3 / ص 109 .

    تولِّي أموره بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه. والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف» .

    وقد دخلت المرأة المسلمة ميدان السياسة على عهد رسول الله (ص)، كما سجّلت آية البيعة ذلك، فقد دخلن الميدان السياسي، وشاركن في الحياة السياسية، دخلت المرأة المسلمة أيضاً وأبدت رأيها في مسألة الامامة والسياسة والخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، وأفضل الشواهد على ذلك هو موقف السيدة فاطمة الزهراء (ع) بنت الرسول الأكرم محمّد (ص) وزوج الامام عليّ بن أبي طالب (ع)، التي دخلت الميدان السياسي بعد وفاة أبيها (ص)، فكانت الى جنب عليّ في تحرّكها ومواقفها السياسية فانظمّ إليها جمع من المهاجرين والأنصار ، فتشكّل ذلك الوجود العقيدي والسياسي المعارض والرّافض لبيعة السّقيفة والدّاعي لإعادة البيعة للامام عليّ (ع)، وقد كانت تتّصل بالأنصار في بيوتهم، وتطالبهم بالبيعة لعليّ (ع) معارضة بيعة السقيفة .

    فقد جاء في بعض مصادر التاريخ :
    «... وخرج عليّ كرّم الله وجهه، يحمل فاطمة بنت رسول الله (ص) على دابّة ليلاً في مجالس الانصار، تسألهم النّصرة، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله (ص)، قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل(*)، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا عنهما كما سجّلت كتب التاريخ حوارات ومواقف سياسية رافضة دارت بين فاطمة الزهراء (ع) والخليفة أبي بكر وعمر بن الخطّاب .

    وبالتأمّل في الآيتين (آية الشورى، وآية ولاية المؤمنين) كما وضح من تفسير الشهيد الصدر لهما، نجدهما أساساً فكريّاً واسعاً للحقوق السياسية، بل للواجبات السياسية للاُمّة بكل عناصرها، الرجاليّة والنسائية، على حدٍّ سواء . والآية الكريمة الأخرى التي توجب العمل السياسي بمستوى الكفاية على الرِّجال والنِّساء كمعارضة الحكّام الطّغاة، وإقامة الدولة الإسلاميّة وتوجيه الرأي العام السياسي... الخ، هي قوله تعالى : (ولتكن منكم أُمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون ) .
    إنّ القرآن الكريم في هذه الآية يوجب أن تكون من المسلمين اُمّة (جماعة) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . وهذه الجماعة شاملة للرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء، بدليل قوله تعالى : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون ) .

    ومن الواضح في الفكر الإسلامي أنّ المساحة السياسية هي مساحة واسعة تضمّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ اللّذين يشملان الدعوة إلى إقامة النظام الإسلامي، ومواجهة الحكّام والأنظمة الظالمة والمنحرفة، كما يشمل المشاركة في إدارة السلطة، وتخطيط سياسة الأمّة، والتثقيف السياسي والشورى والبيعة كاختيار الحاكم وممثِّلي الأمّة، والمشاركة في التمثيل عن الأمّة في المجالس التي نسمِّيها بمجالس الشورى (البرلمان) والتي تمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من منطلق سياسي ... الخ .

    ومن دراسة الظروف والأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يجب العمل في اطارها، نستنتج أنّ هذه الأمّة (الجماعة) التي دعا القرآن الى إيجادها بقوله : (ولتكن منكم اُمّة... ) لا تستطيع أن تمارس دورها كجماعة، كما أراد القرآن إلاّ إذا كانت جماعة منظّمة، تمارس أعمالها وفق وسائل وأساليب متطوِّرة، تتناسب وظروف المرحلة التاريخية التي يعيش فيها المسلمون .

    وهذا يعني وجوب مشاركة المرأة بقدر الكفاية في الجماعات والنشاطات السياسية وفي الهيئات والتنظيمات والمؤسّسات الفكرية والاصلاحية المختلفة، إذا تعذّر أداء هذا الواجب بشكله الفاعل إلاّ من خلال ذلك .
    ومن هذه الأسس القرآنية نفهم أنّ الحياة السياسية مفتوحة أمام المرأة في الإسلام، كما هي مفتوحة أمام الرّجل، وعلى المستويين ـ الواجب العيني والكفائي ـ أو إباحة المشاركة في الحياة السياسية بكل مجالاتها .

    ونستطيع أن نورد مثلاً عمليّاً لحقوق المرأة السياسية في الإسلام، هو مشاركة المرأة الفعلية في الحياة السياسية في جمهورية إيران الإسلامية، فقد منحها الدستور حق الانتخاب والمشاركة في البرلمان (مجلس الشورى) وفي الوظائف والنشاطات والتنظيمات السياسية، بل وشاركت المرأة في الثورة الإسلامية على النظام الشاهنشاهيّ، شاركت في الإضرابات والتظاهرات، وتوزيع المنشورات، وإلقاء الخطب، فكانت مع الرّجل في كفاحه السياسي خطوة بخطوة، فنالت كامل حقوقها السياسية في ظلّ النظام الإسلامي .

  8. #19
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    الخاتمة

    وفي الختام ليس للمرأة من حقوق وكرامة إلاّ في الإسلام، الذي ثبّت مبدأ الحقوق والكرامة لأفراد النوع البشري كافّة بقوله : (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً ) .
    وبقوله : (ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف ) .
    وبقوله (ص) : «مِن خُلْقِ الأنبياء حبّ النساء » .
    فليس أمام المرأة إلاّ أن تطالب بحقّها كما حمله القرآن اليها، وتلتزم بواجبها كما حدّده القرآن لها، كاُم بنت وزوجة، وفرد له حقّ الولاء والحبّ في المجتمع، يوظِّف طاقته الفكرية والنفسية والجسدية في مواطن الخير والطّهر والصّلاح، بعد أن جرّبت مرارة العيش في متاهات الحياة الغريزيّة المبتذلة، في عالم الحضارة الماديّة المنهار .

    المصدر: سلسلة مفاهيم إسلامية
    تحياتي .. ضياء

  9. #20
    مشرف عام سابق
    تاريخ التسجيل
    20-07-2001
    المشاركات
    4,488
    شكراً
    0
    شُكر 167 مرة في 94 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    18

    عمل موفق ومجهود مبارك بإذن الله

    نحمد الله تعالى على أن وفق الله الأخت ضياء على الإنتهاء من هذه السلسة المباركة وهذا العمل الموفق بإذن الله.... والله أسأل أن يجعل هذا في ميزان أعمالها.... وأن ويفقها وإياكم الى كل طاعة.... اللهم آمين..

    أختي ضياء أشكرك على هذا الجهد المبارك وعلى هذا النشاط وعلى تواصلك معنا بالمنتدى في نشر الخير ....

    تحياتي للجميع....


    [url=http://www.bafree.net/fuad.php]حياتك تستاهل ... خطط مع فؤاد.... اشترك معنا الآن!![/url]
    [url=http://www.lifeplaning.com]حياكم الله في موقعي الشخصي... مهارات التخطيط الشخصي[/url]

  10. #21
    عُضْو شَرَفٍ
    تاريخ التسجيل
    08-07-2001
    المشاركات
    851
    شكراً
    0
    شُكر 24 مرة في 15 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    13

    بإذن الله

    أخي الفاضل: المناجي ...
    دعمك المتواصل لأعضاء المنتدى يقودنا حتماً نحو الأمام والاختيار الموفق بإذن الله تعالى.
    تحياتي .. ضياء

  11. #22
    عضو إيجابي
    تاريخ التسجيل
    17-09-2001
    المشاركات
    15
    شكراً
    0
    شُكر 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    0
    بارك الله فيك أختي الحبيبة وجزاك الله خير الجزاء ووفقك لكل خير

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. المرأة و المجتمع
    بواسطة swarm في المنتدى بوابة الحياة الأسرية اليومية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 02-07-2010, 02:22 PM
  2. دور المرأة في المجتمع
    بواسطة المحامي في المنتدى بوابة الحياة الأسرية اليومية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 23-08-2008, 02:51 PM
  3. هل نص في شريعة الإسلام على تنظيم لعمل المرأة في المجتمع العا
    بواسطة my_everything78 في المنتدى حديث الساعة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 16-07-2005, 01:42 PM
  4. كيف تسهم المرأة في تنمية المجتمع وهي داخل بيتها؟
    بواسطة لمياء الجلاهمة في المنتدى بوابة الحياة الأسرية اليومية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 28-02-2004, 02:53 PM
  5. كيف تسهم المرأة في تنمية المجتمع وهي داخل بيتها؟ ..
    بواسطة الـفاهم في المنتدى بوابة الحياة الأسرية اليومية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 03-10-2002, 10:26 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •