المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تستمع إلى إذاعتك الداخلية؟



fakir-d
21-03-2011, 08:15 PM
ماذا تعرض من أغاني، أخبار، دعايات وما إلى هنالك من نشاطات إذاعية؟


إن الحياة تتطلب منا أن لا نفعل كل ما نحب، بل أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا ما هو متوجب علينا. ولا تذهبوا بعيدا، دعونا نتحدث عن الطفل، فهو يتعلم يوما بعد يوم كيف عليه أن يتخلى عن رغباته في سبيل التأقلم مع المجتمع البشري الذي يتقدم عليه بأكثر من خمسة آلاف سنة من التحضر والتعقيد. فأولا عليه أن يستبدل ثدي أمه برضاعة مطاطية، ثم يستبدل هذه الرضاعة بالملعقة، والحليب بصنف جديد من الطعام، وعليه أن يتعلم لاحقا كيف يقضي حاجته في المرحاض، ثم عليه أن يتعلم كيف لا يأخذ ألعاب أخيه، وكيف لا يشاغب أمام الضيوف، ثم عليه أن يتخلى عن متعة اللعب ليذهب إلى المدرسة، وهناك تنهال عليه كل أنواع "الواجبات"، فعليه أن يطيع الآنسة، وعليه أن يقرأ ويكتب ويحضر الوظائف ويحفظ الدروس ، إلخ إلخ. من المتفق عليه أن الطفل لا يفعل كل شيء لأنه يحبه، ولكن لأنه عليه فعله، ولو ترك للطفل أن يفعل ما يشاء لربما رأينا المربين يقفزون في الهواء وينتفون شعورهم من قلة الحيلة ومن شدة الغيظ. ولا داعي إذا للمضي في التوضيح أكثر في هذه النقطة.
لكن ما علاقة هذا بحياتنا كراشدين؟ إننا أيضا كراشدين لا نفعل كل ما نحب، شأننا كشأن الطفل الذي تحدثت عنه. ولكن بما أننا مضينا بعيدا في تأقلمنا مع البيئة، فإن هذه التأقلم بات من المهارة بحيث أنه أصبح لاشعوريا، كأي مهارة أخرى نقوم بها من دون أي جهد واعي. وهكذا، فإننا في كثير من الأحيان لا نعرف أننا نقوم بشيء لا نحبه، بل نعتقد حتى أننا نريده. إضافة إلى ذلك، فقد يكون هذا التأقلم أحيانا مجحفا بحق أنفسنا لدرجة يضيق عليها الخناق بسبب صلابة قوانينه وتيبسه. وهنا، فإنه من المفيد أن نراجع أنفسنا لنرى إذا كان من الضروري حقا القيام بهذا الشيء أو ذاك أم أننا نقوم به بشكل اوتوماتيكي بفعل العادة والمضي في خضم الحياة الاجتماعية. على الأقل يمكننا أن نعرف هل نحن نحب ما نقوم به بالفعل أم أننا علينا القيام به فحسب بحكم الضرورة. ولكن كيف لنا أن نعرف عندما يحدث ذلك؟ كيف لنا أن ندري عندما ننقسم على أنفسنا، وعندما نكذب عليها ونتقمص هذه الواجهة الاجتماعية معتقدين أنها نحن؟ كيف لنا أن نميز أنفسنا عن هذه الواجبات الاجتماعية التي أخذت الأولوية وأصبحت قاسية ومتصلبة وخانقة كقشرة كركند باتت ضيقة على جسده؟

إن مثال بسيط وطريف يمكنه أن يساعدنا على تمييز هذه القشرة المؤلفة من الواجبات المتشنجة التي التصقت بنا حتى أصبحنا لا نميز أنفسنا عنها. وبالطبع هو لا يمثل إلا أبسط الحاجات الأساسية التي أحيانا نضطر إلى تجاهلها لأننا ننسى أنفسنا ونحن نتبع واجباتنا الاجتماعية. في بقعة ضوء على ما أظن، يريد "باسم ياخور" أن يقضي حاجته بينما يحاول تأجيل ذلك في سبيل عدم التأخر على مشهد التمثيل الذي ينتظره، ولانه يكره الأضواء يضطر إلى تجنب النزول في المقاهي والمطاعم على الطريق. وأخيرا، عندما يمثل المشهد، يطلق العنان لحاجته الملحة التي لم تعد تحتمل التأجيل، ويقفز في بركة السباحة بشكل درامي. في كثير من الأحيان نرى أنفسنا في مشاهد مماثلة ولو أنها أكثر تعقيدا من مجرد قضاء حاجة، فنحن نقف ضد أنفسنا من دون أي داع. إن مثال بسيط أيضا هو الشعور بالجوع أو البرد أو التعب من الجلوس، ونحن منهمكون في عمل ما أو قراءة أو كتابة. ونجد أنفسنا متبلدين عن هذه الاحساسات لدرجة ننساها أو لا نشعر بها، وكل ما نشعر به هو احساس عام بالانزعاج دون أن نعرف السبب. وينطبق ذلك أيضا على حالات اجتماعية أكثر تعقيدا بكثير إذ نجد أنفسنا في حرب ضد أنفسنا دون أن نعي ذلك حتى. والغرض من هذه المساهمة هو الوعي بهذه الحالات.

عندما أتى فرويد بكتابه تفسير الأحلام، قال أن الأحلام هي الطريق الملكية إلى اللاشعور. لقد قصد بذلك أن أسهل وأقصر طريق لمعرفة اللاشعور هو تحليل الأحلام أو الـتأمل بها. وقد وافقه على ذلك الكثير من علماء النفس من بعده من ذوي الطابع التحليلي. وحتى اليوم، ما يزال الحلم مصدر مساعدة لفهم المشاكل النفسية في الطب النفسي. لكن هل يمكننا أن نتساءل فيما إذا كان هنالك طرق أخرى إلى اللاشعورغير تلك الطريق الملكية إليه؟ بالطيع يوجد طرق أخرى، وإليكم رائز رورشاخ مثلا، حيث يقدم للشخص لوحة من بقع الحبر العشوائية ليخبرنا ما يفهم منها. وبما أن البقع عشوائية فهي بحد ذاتها لا تحمل أي معنى، وهكذا يضاف المعنى على هذه البقع من خلال محاولة الشخص المفحوص لتفسيرها من مكونات مخيلته، أي من مكونات لاشعوره. أما إذا أردنا العودة إلى فرويد، فقد بين لنا هو الآخر كيف أن زلات اللسان أو الأفعال الخائبة (الأخطاء الغير متعمدة)، أو بعض أنواع النسيان، إلخ تمضي بنا إلى اللاشعور أيضا. ويمكنني القول أنا أن هناك العديد من الطرق المكتشفة وغير المكتشفة، المطروقة وغير المطروقة، للوصول إلى اللاشعور؛ إن كل الطرق بتودي عالطاحون؛ أي أن كل شيء نقوم به بشكل عفوي هو آتي من اللاشعور (حيث نستخدم التعبير الدارج "لقد فعلت ذلك باللاشعور أو لاشعوريا؛ أي من دوع وعي أو قصد).

لقد فسر فرويد الأحلام بأنها رغبات مقنعة بسبب رقابة الأنا العليا، مقنعة لكي لا توقظنا وتشعرنا بالحصر، وعليه فإن الحلم يقول لنا ما نتمنى لاشعوريا أن يكون أو يحدث. أما يونغ، الذي طور علم نفس الأعماق بعد أن بدأ بالتحليل النفسي الفرويدي، فله رأيا آخر. يرى يونغ الأحلام أنها غير معنية بتمويه أو إخفاء الرغبة، وغير معنية بالرقابة، ولكن لغتها، ببساطة، هي لغة عالمية وبدائية، إنها لغة الرموز التي يعبر بها اللاشعور عن نفسه، والتي لطالما استخدمها أجدادنا منذ آلاف السنين. وهكذا، فإن الحلم من الناحية اليونغية هو رسالة من اللاشعور، تخبرنا عما يجري فيه وعن حالتنا الداخلية، وغالبا ما تقول لنا ماذا يجب أن نفعل لتصحيح المشكلة لو تمكنا حقا من فهمها. يمكننا القول أن كلا من يونغ وفرويد لا يختلفان إلا في طريقة الرؤيا، فكلاهما واجها شيء واحد لكن كلا منهما تصوره بشكل مختلف عن الآخر. إن النتائج على العموم لن تختلف كثيرا فسواء افترضنا أن الحلم رغبة لاشعورية مقنعة من الأنا العليا أو أنه رسالة آتيه من اللاشعور الذي يستخدم الرموز كوساطة نقل، فإننا نتحدث عن اللاشعور، وبيقى كيفية تصورنا لهذا "اللاشعور" حرية شخصية ومسألة للتأمل.

بالنسبة لي فقد لفت نظري طريقة غير الأحلام تقود إلى اللاشعور؛ إنها الاذاعة الداخلية؛ أي يقول المذيع أو المذيعة بشكل مجازي: هنا صوت فلان الداخلي. هذه الظاهرة ليست جديدة على علماء النفس، إنها ببساطة نوع من أنواع التعبير عن اللاشعور، لقد استخدم يونغ طرق من شاكلتها، إذ ذكر في أعماله عن أهمية الأصوات الداخلية والرؤى التي تأتي من الجزء اللاشعوري للشخصية، وكيف يمكنها أن تجعلنا نفهم أنفسنا بشكل أفضل، أو نحل مشاكل تبدو لنا لا حل لها. إن هذه الاذاعة تأتي من نفس المصدر، من نفس تلك الأصقاع حيث يسود اللاشعور.

والآن ما هي هذه الاذاعة الداخلية التي أتحدث عنها؟ إنها ببساطة "بث حي" يأتي من أقاصي بعيدة، بعيدة لأنها في أعماقنا وقد ابتعدنا عنها في مشاغل الحياة اليومية. إنها تخبرنا عن أخبار ذاك العالم وتبقينا على اتصال. وبتعبير أكثر بساطة، تعبر هذه الاذاعة عما يجول في أنفسنا عندما لا نستطيع التعبير عنه بحرية. كثير من الأوقات، بالأخص عندما نكون متغربين عن أنفسنا، نجد أنفسنا نغني مقطع من أغنية. ما أقصده بالتغرب عن أنفسنا هو المضي في شيء لا نرغب به بالفعل داخليا. بالطبع لا أقصد هنا الحالات التي نختار فيها أغنية أو أي مقطع كلامي بشكل واعي. لقد وجدت من تجاربي الشخصية تصادف عجيب بين ما أغنيه وبين حالتي الراهنة. وغالبا ما تدل هذه الأغنية (وقد تكون أي مقطع غنائي حتى من أفلام الكرتون أو الدعايات) على حالتي الداخلية وتخبرني عن "فرق الكمون" بين حالتي الواعية واللاواعية، ومنه أستنتج ما علي فعله. وتكون عادة فورية أي في نفس الوقت أو بعد بوقت قصير جدا من المشكلة. ومن الأمثلة البسيطة على ذلك هو أن أشعر بالنعاس ثم أنتبه لنفسي بعد فترة أغني مقطع قصير ولفترة وجيزة من أغنية تقول لي: نامي نامي ياصغيرة. إن اللاشعور ببساطة يشعر بالنعاس، وهو يطلب النوم لكن بطريقة مهذبة ورمزية. وبالطبع لدي أمثلة أكثر دقة من هذا المثال وأكثر تعقيد لكنها أكثر خصوصية وبالتالي أصعب على الفهم.

إليكم مثال آخر شهدته في شخص آخر:
في أحد الأمسيات الشتوية عندما كنت أتردد على نادي رياضي، وصلت إلى غرفة الخزنات، وهناك بينما أبدل ملابسي وجدت شابان من رواد النادي يتحادثان. ولفت انتباهي أن الأول يبالغ في حديثه ولا أذكر بالضبط ما هو موضوع الحديث، ولربما كان يرفع من شأنه كعادة كل من يرتاد النادي، وكان الشخص الآخر يستمع له. وعندما انتهى الأول وذهب للتدريب، أو لمنزله لا أعلم، سمعت الآخر يغني لنفسه: ماتصدقش اللي بيتقلك كل كلامهم كذب! كان من المحتمل جدا أن يكون ذلك الشاب يغني بشكل واعي، وعن قصد، ولكني رأيته يغني بطريقة عفوية وتعابيره لا تدل أبدا على أنه واع بمعان الأغنية وارتباطها بالحالة، وبالأخص أنه لم يظهر أي علامة على عدم التصديق عندما كان الشاب الآخر ينسج له بعض الأكاذيب. بالاضافة إلى أنه كان يغني لنفسه، ولا يخاطب أحدا حوله، ولا يظن أنني انتبهت له أو للحديث. هل من الممكن أن يكون لاوعيه يغني الأغنية؟ قد يكون الجواب نعم وقد يكون لا، لكنه على أي حال ليس بعيد الاحتمال وهو متوقع تماما.

إن اللاوعي يعي للأمور من حولنا على حقيقتها في حين نحن نحاول أن نقتصر بوعينا على ما هو مقبول ومناسب للصورة الاجتماعية التي نريدها لنا. بمعنى آخر لا يأبه اللاشعور بالواجبات ولا باللباقة أو اللطف ولا بالقانون، فهو يعبر عما يشعر به غير آبها بالمجاملات وسواها من الأكاذيب الاجتماعية.

وهذا مثال آخر لا يشبه الاذاعة كثيرا لكنه لا يختلف عنها:
ذكر لي أخي وهو الآن في الثلاثينيات، عن مثال غريب حدث معه في أيام الشهادة الثانوية. كان يدرس رياضيات، وبقي حتى وقت متأخر من الليل إلى أن غفا على مكتبه. وعندما استيقظ في الصباح راجع المسألة التي كان يعمل عليها في الليلة الفائتة، ليتفاجأ بالحل على شكل سطر مائل بما معناه: بفرض أن الوقت قد تأخر وقد حان وقت النوم! لقد نام أخي على دفتره، ولم يعرف بما حصل حتى صباح اليوم التالي. ويمكنني أن أدرج هذه الحادثة بين الأمثلة عن الاذاعة الداخلية التي أحاول شرحها هنا، فحل المسألة بالنسبة للاشعوره كان هو الذهاب إلى النوم!

إذن هذه الاذاعة التي أتحدث عنها موجودة، وهي لا تبث بث عشوائي كما يمكن أن نعتقد عادة لأنه لا يوجد شيء من دون سبب، وهذا السبب يكون عادة أكثر تعقيدا مما يبدو للوهلة الأولى.

هل يمكننا أن نستمع لإذاعتنا الداخلية متى أردنا كما يحدث مع الإذاعات العادية، أم أن الأمر يقتصر على الصدفة فقط؟ يمكن الاعتقاد أنه من الممكن الاستماع إلي هذه الاذاعات إراديا وذلك عن طريق الجلوس مع الذات والانصات إلى أي كلمات أو أغنيات تأتي إلى ذهننا الواعي، بل ويمكن حتى مشاهدة بث مرئي أيضا لو فتحنا الباب للصور التي تجول في أذهاننا؛ إذ نكون في حالة من الاستقبال التام لأي شيء قادم من تلك الأراضي البعيدة، وهوائياتنا مرفوعة على طولها. أي أننا نقبل أي شيء ونفتح له المجال لدخول وعينا لنشاهده أو نستمع إليه بطريقة سلبية دون حكم عقلاني. إن هذه الطريقة مع ذلك، باعتقادي، صعبة جدا، ولذلك قلما تكون فعالة؛ فمنذ أن ننصت إراديا لأنفسنا نبدأ بالتمثيل عليها؛ ذلك شبيها بطفل يلعب وحيدا بعفوية، وعندما يخرب عليه أحد الراشدين خلوته يبدأ بالتصنع والتمثيل أو المبالغة إلخ، ويفقد خيط اللعبة مساره الحقيقي. ويمكن للطفل حتى أن يتوقف عن اللعب كليا، ونراه صامتا أو ساكنا، وهذا ما يحدث أيضا مع إذاعتنا الداخلية عندما نحاول قسرها أو مراقبتها بشكل شعوري. لذلك كبداية، فإن أفضل طريقة للوصول إلى هذه الإذاعة هو عدم مراقبتها، ويبقى الأمل أن يحدث وننتبه لأغنية عفوية على لساننا فنحاول فهم ارتباطها بالحالة ومعرفة ما يجول في أذهاننا من خلالها.

لقد طور يونغ طريقة مشابهه لما أتحدث عنه، لقد سماها الخيال النشط. وفيها يطلب من المريض أن يغمض عينيه ويطلق العنان لتخيلاته مهما بدت غريبة الأطوار، ومن هذه التخيلات العفوية يستطيع المحلل أن يأخذ فكرة ما عما يجول في لاشعور المريض. وبالطبع لاحظ يونغ في البداية لدى مرضاه صعوبة في التخييل، وهذا شبيه بما تحدثت عنه أنا حول مراقبة الإذاعة شعوريا، فالانسان الحديث المتمدن ، المنطقي و المثقف يجد صعوبة في تقبل خيالات لامنطقية أو يصعب عليه أن يكون على عفويته لأنه يخشى التخلي عن قناعه المتحضر. إن الرقابة الشعورية إذن تمنع عفوية الخيال وبالتالي مصداقيته.

بالطبع إن التسمية "إذاعة" هي مجازية للمساعدة على تصورها وبالتالي تسهيل التعامل معها. إن الانتباه لهذه الإذاعة ليس إلا طريقة تساعدنا على المستوى الشخصي لفهم أنفسنا أكثر عندما نكون من البعد عنها لدرجة يتعذر علينا معرفتها. هذه الاذاعة قد تتحدث عن أي شيء يمكن تخيله، ويحدث هذا عندما تكون حالتنا الواعية على نقيض من حالتنا اللاواعية. وبقليل من الانتباه لما نغنيه أو ندندنه، أو لما يذاع على إذاعتنا الداخلية يمكننا أن نفطن إلى ما يجول في لاشعورنا. وبالتالي نصبح على معرفة بآخر المستجدات في داخلنا، ونفهم ما نمر به بشكل أفضل، وفي المحصلة نتصالح مع ذواتنا.
*** منقــــــــــــــــــول ***

ملكة القلب
07-04-2011, 11:32 AM
شكرا شكرا على الموضوع الممتاز والرائع

لك تحياتي واحترامي :)

مصر15
20-06-2011, 06:28 AM
يا ليتك كبرت الخط..وشكلت بالاوان حتى يسهل علينا قراءته

مشكور جزاك الله خير